تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
بك من عند الله فيكون آخر العهد منك وانقطاع الرجاء [ 1 ] . فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر بن عبد العزيز فقال : ما أقدمك ؟ قال : خلعت قلبي بكتابك ، لا أعود إلى ولاية حتى ألقى الله عز وجل قال : فبكى هارون بكاء شديدا ، ثم قال : زدني رحمك الله . فقال : يا أمير المؤمنين ، إن العباس عم المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم جاء إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فقال : يا رسول الله ، أمّرني على إمارة . فقال له النبي صلَّى الله عليه وسلَّم : « إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة ، فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل » . قال : فبكى هارون بكاء شديدا ، وقال له : زدني رحمك الله / . قال : يا حسن الوجه أنت الَّذي يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة ، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك ، فإن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال : « من أصبح غاشا لرعيته لم يرح [ 2 ] رائحة الجنة » . فبكى هارون وقال له : عليك دين ؟ قال : نعم ، دين لربي لم يحاسبني عليه ، فالويل لي ان سألني ، والويل لي إن ناقشني ، والويل لي إن لم ألهم حجتي . قال : أعني من دين العباد . قال : إن ربي لم يأمرني بهذا ، أمرني أن أوحده وأطيع أمره ، فقال عز وجل : * ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ من رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ 51 : 56 - 58 ) * [ 3 ] . فقال له : هذه ألف دينار خذها أنفقها على عيالك ، وتقوّ بها على عبادتك . فقال : سبحان الله ، أنا أدلك على طريق النجاة وأنت تكافئني [ 4 ] بمثل هذا ؟ سلَّمك الله ووفقك . ثم صمت ، فلم يكلمنا ، فخرجنا من عنده ، فلما صرنا على الباب قال : أبا العباس ، إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا ، هذا سيد المسلمين .
هامش
[ 1 ] في الأصل : « الرحا » . [ 2 ] في الأصل : « من أصبح لهم غاشا لم يرح . . . » . [ 3 ] سورة : الذاريات ، الآية : 57 . [ 4 ] في الأصل : « تكافني » .