فيوشك أن تكون في التخلَّي وليس كالخمول ، وإن لم تكن في التخلَّي فيوشك أن تكون في الصمت وليس كالتخلَّي ، وإن لم توجد في الصمت فيوشك أن يكون في كلام السلف الصالح ، والسعيد من وجد في نفسه خلوة .
وتأمّل في قوله تعالى : * ( واذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ) * ( مريم 18 ) ، والعزلة هي الخروج عن مخالطة الخلق بالانزواء والانقطاع وأصلها عزل الحواس بالخلوة عن التصرف في المحسوسات فإنّ كلّ آفة وفتنة وبلاء ابتلى الروح بها دخلت فيه بروازن الحواس فبالخلوة وعزل الحواس ينقطع مدد النفس عن الدنيا والشيطان وإعانة الهوى والشيطان .
9 - والتهجّد ، قال اللَّه تعالى : * ( ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِه نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً وقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ) * ( الأسراء 81 ) ، وقال تعالى : * ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وعُيُونٍ آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وبِالأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) * ( الذاريات 18 ) ، وقال تعالى : * ( يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَه أَوِ انْقُصْ مِنْه قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْه ورَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وأَقْوَمُ قِيلًا إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إِلَيْه تَبْتِيلًا ) * ، وقال تعالى : * ( واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأَصِيلًا ومِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَه وسَبِّحْه لَيْلًا طَوِيلًا إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ ويَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا ) * ( الانسان 28 ) .
وروى الشّيخ الصدوق قدّس سرّه في باب معنى التوحيد والعدل من كتاب التوحيد ( ص 84 ) عن سلمان الفارسي رحمه اللَّه تعالى انّه أتاه رجل فقال : يا أبا عبد اللَّه إنّي لا أقوى على الصلاة بالليل ، فقال : لا تعص اللَّه بالنهار ، وفيه أيضا : جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فقال : يا أمير المؤمنين إنّى قد حرمت الصلاة بالليل ، فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام : أنت رجل قد قيّدتك ذنوبك .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 327
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٢٧