من الخليقة بأمر ولم يتهيّأ بحسب خلقته له أو هيّئ لخلافه كأن يسعد بترك التغذّى أو النكاح أو ترك المعاشرة والاجتماع وقد جهّز بخلافها ، أو يسعد بالطيران كالطَّير أو بالحياة في قعر البحار كالسمك ولم يجهّز بما يوافقه .
فالدين الحقّ هو الذي يوافق بنواميسه الفطرة وحاشا ساحة الربوبيّة أن يهدى الإنسان أو أىّ مخلوق آخر مكلَّف بالدين - إن كان - إلى غاية سعيدة مسعدة ولا يوافق الخلقة أو لم يجهّز بما يسلك به إليها فإنّما الدين عند اللَّه الإسلام وهو الخضوع للَّه بحسب ما يهدى إليه ويدلّ عليه صنعه وإيجاده ، انتهى ما أفاد مدّ ظلَّه العالي في المقام .
فتبصّر بما قدّمناه أنّ أصل المعرفة فطرىّ للأشياء وقال اللَّه تعالى : * ( « ولَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ لَيَقُولُنَّ الله » ) * وإنّما ضلّ عنهم المعرفة بالمعرفة والبصيرة بالرؤية ، وأنّ المعرفة والرؤية القلبيّة ترجعان إلى أمر واحد وإنهما تثمران الايمان على البصيرة ، ولا نعنى من اللقاء إلَّا المعرفة والرؤية بهذا المعنى ففي التوحيد عن أبي بصير عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال قلت له : أخبرني عن اللَّه عزّ وجلّ هل يراه المؤمنون يوم القيامة قال عليه السّلام : نعم وقد رأوه قبل يوم القيامة فقلت : متى قال عليه السّلام : حين قال لهم : ألست بربكم قالوا بلى ، ثمّ سكت ساعة ثمّ قال وانّ المؤمنين ليرونه في الدّنيا قبل يوم القيامة ، ألست تراه في وقتك هذا قال أبو بصير : فقلت له : جعلت فداك فاحدّث بهذا عنك فقال عليه السّلام : لا فإنك إذا حدّثت به فأنكره منكر جاهل بمعنى ما نقوله ثمّ قدّر أنّ ذلك تشبيه كفر وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين ، تعالى عما يصفه المشبّهون والملحدون .
وفي آخر باب نفي المكان والزمان عنه تعالى من كتاب التوحيد أيضا ص 176 باسناده عن إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور ، عن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام أنه دخل السوق فإذا هو برجل ( فإذا هو مرّ برجل - خ د ) مولَّيه ظهره يقول : لا والَّذي احتجب بالسبع قال اللَّه يا أمير المؤمنين ، قال أخطأت ثكلتك امّك انّ اللَّه عزّ وجلّ ليس بينه وبين خلقه حجاب لأنّه معهم أينما كانوا ، قال : ما كفارة
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 243
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٤٣