وبيان هذا القول المنيع الشريف يطلب من كتابه في المبدأ والمعاد حيث قال فيه ( ص 282 ) : الوحدة الشخصيّة في كلّ شيء ليست على وتيرة واحدة ودرجة واحدة فإنّ الوحدة الشخصيّة في الجواهر المجرّدة حكمها غير الوحدة الشخصيّة في الجواهر المادّية ، فإنّ في الجسم الواحد الشخصي يستحيل أن يجتمع أوصاف متضادّة وأغراض متقابلة من السواد والبياض والسعادة والشقاوة واللذّة والألم والعلوّ والسفل والدّنيا والآخرة وذلك لضيق حوصلة ذاته وقصر ردائه الوجودي عن الجمع بين الأمور المتخالفة بخلاف وجود الجوهر النطقي من الإنسان فإنّها مع وحدتها الشخصيّة جامعة للتجسّم والتجرّد وحاصرة للسعادة والشقاوة فإنها قد يكون في وقت واحد في أعلى علَّيّين وذلك عند تصوّر أمر قدسي ، وقد يكون في أسفل سافلين وذلك عند تصوّر أمر شهويّ ، وقد يكون ملكا مقرّبا باعتبار وشيطانا مريدا باعتبار .
وذلك لأنّ إدراك كلّ شيء هو بأن ينال حقيقة ذلك الشيء المدرك بما هو مدرك بل بالاتّحاد معه كما رآه طائفة من العرفاء وأكثر المشاءين والمحققون وصرّح به الشّيخ أبو نصر في مواضع من كتبه ، والشّيخ اعترف به في كتابه المسمّى بالمبدأ والمعاد وفي موضع من الشفاء حيث قال في الفصل السّادس من المقالة التاسعة من الإلهيّات بهذه العبارة : ثمّ كذلك حتّى يستوفى في النّفس هيئة الوجود كلَّه فينقلب عالما معقولا مقبولا موازيا للعالم الموجود كلَّه مشاهدا لما هو الحسن المطلق والخير المطلق والجمال الحقّ ومتّحدة به ومنتقشة بمثاله وهيئاته ومنخرطة في سلكه وسائرة من جوهره .
وممّا يؤيّد ذلك أنّ المدرك بجمع الإدراكات والفاعل بجميع الأفاعيل الواقعة من الإنسان هو نفسه الناطقة النازلة إلى مرتبة الحواس والآلات والأعضاء والصّاعدة إلى مرتبة العقل المستفاد والعقل الفعال في آن واحد وذلك لسعة وجودها وبسط جوهريّتها وانتشار نورها في الأكناف والأطراف بل يتطوّر ذاتها بالشؤون
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 209
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٠٩