فانّك إن كنت ممّن له أهليّة التفطَّن بالحقائق العرفانيّة لأجل مناسبة ذاتية واستحقاق فطري يمكنك أن تتنبّه ممّا أسلفناه من أنّ كلّ ممكن من الممكنات يكون ذا جهتين : جهة يكون بها موجودا واجبا لغيره من حيث هو موجود وواجب لغيره وهو بهذا الاعتبار يشارك جميع الموجودات في الوجود المطلق من غير تفاوت ، وجهة أخرى بها يتعيّن هويّتها الوجودية وهو اعتبار كونه في أىّ درجة من درجات الوجود قوّة وضعفا كمالا ونقصا فإنّ ممكنيّة الممكن إنما ينبعث من نزوله عن مرتبة الكمال الواجبي والقوّة الغير المتناهية والقهر الأتم والجلال الأرفع وباعتبار كلّ درجة من درجات القصور عن الوجود المطلق الَّذي لا يشوبه قصور ولا جهة عدميّة ولا حيثيّة امكانيّة يحصل للوجود خصائص عقليّة وتعيّنات ذهنيّة هي المسمّات بالمهيّات والأعيان الثابتة فكلّ ممكن زوج تركيبي عند التحليل من جهة مطلق الوجود ومن جهة كونه في مرتبة معيّنة من القصور ، إلى آخر ما أفاد قدّس سرّه .
وقال الحكيم السبزواري رضوان اللَّه عليه في بيانه : المغالطة نشأت من خلط الماهيّة بالهوية واشتباه الماهيّة من حيث هي بالحقيقة ولم يعلموا أنّ الوجود عندهم أصل فكيف يكون الهويّة والحقيقة عندهم اعتباريّا ، أم كيف يكون الجهة النورانيّة من كلّ شيء الَّتي هي وجه اللَّه وظهوره وقدرته ومشيّته المبينة للفاعل لا للمفعول اعتباريّا ، تعالى ذيل جلاله عن علوق غبار الاعتبار ، فمتى قال العرفاء الأخيار أولو الأيدي والأبصار : إنّ الملك والفلك والإنسان والحيوان وغيرها من المخلوقات اعتبارية ، أرادوا شيئيات ماهياتها الغير المتأصّلة عند أهل البرهان وعند أهل الذوق والوجدان وأهل الاعتبار ذهب أوهامهم إلى ماهياتها الموجودة بما هي موجودة أو إلى وجوداتها حاشاهم عن ذلك بل هذا نظر عامي منزّه ساحة عزّ الفضلاء عن ذلك .
نظير ذلك إذا قال : الإنسان مثلا وجوده وعدمه على السّواء أو مسلوب ضرورتي الوجود والعدم أراد بشيئيّة ماهية الإنسان ونحوه أنها كذلك وظنّ
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 205
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٠٥