المقابلون لهم بادبارهم عنها فيحسبون أنّهم هزموا فيذهبون في آثارهم متفرّقين وبعد ما سلكوا مسافة كذلك يرجع إليهم الأعداء بغتة ويحملون عليهم حملة يد واحدة ورجل واحد فيهزمونهم .
وعلى رواية النهج وصّى عليه السّلام أصحابه كذلك بقوله : « لا تشتدّنّ عليكم فرّة بعدها كرّة ، ولا جولة بعدها حملة » أي أنّكم إذا رأيتم المصلحة في الفرار لجذب العدوّ إلى حيث تتمكنوا منه فلا يشق عليكم ولا تستصعبوه فإنّ الحرب خدعة .
أو يقال في تفسير هاتين الجملتين أنّه عليه السّلام نبّه أصحابه في الأولى على أن يواظبوا أنفسهم من الأعداء وإن فرّوا عن هزيمة واقعا ، وذلك لأنّ الأعداء ربّما ينهزمون ثمّ يكرّون على الفئة الغالبة لما رأو أنّهم خرجوا من مكامنهم وانتشروا في معسكرهم واطمأنّوا بالغلبة على فرارهم وخرجوا من أوزار الحرب واشتغلوا بأنفسهم وغيرها ممّا لا يحصى كثرة أحوالها وأطوارها .
وفي الثانية حرّضهم بأنّكم إذا اتّفقت لكم الهزيمة من العدوّ وفررتم فلا تستحيوا من الكرّة عليهم ثانيا ولا تحسبوها عارا فانّ هذه الكرّة يتدارك الفرّة ويناسب هذا التفسير الثاني قوله المرويّ في المستدرك عن فرات بن إبراهيم الآتي نقله : عاودوا الكرّ واستحيوا الفرّ .
وفي الإرشاد للمفيد رحمه اللَّه ( ص 121 طبع طهران 1377 ه ) : ومن كلامه عليه السّلام حين دخل البصرة وجمع أصحابه فحرّضهم على الجهاد فكان ممّا قال : عباد اللَّه انهدوا إلى هؤلاء القوم منشرحة صدوركم بقتالهم فإنّهم نكثوا بيعتي ، وأخرجوا ابن حنيف عاملي بعد الضّرب المبرّح ، والعقوبة الشديدة ، وقتلوا السّيابجة ، ومثّلوا حكيم بن جبلة العبدي ، وقتلوا رجالا صالحين ، ثمّ تتّبعوا منهم من نجى يأخذونهم في كلّ حائط وتحت كلّ رابية ، ثمّ يأتون بهم فيضربون رقابهم صبرا ، مالهم قاتلهم اللَّه أنّى يؤفكون انهدوا إليهم وكونوا أشدّاء عليهم ، وألقوهم صابرين محتسبين تعلمون أنّكم منازلوهم ومقاتلوهم ولقد وطَّنتم أنفسكم على الطَّعن الدّعسي ، والضرب الطَّلحفي ، ومبارزة الأقران ، وأيّ امرئ
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 193
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٩٣