تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
يغضى حياء ويغضى من مهابته فما يكلَّم إلَّا حين يبتسم ( 13 ) في كفّه خيزران ريحه عبق * من كف أروع في عرنينه شمم ( 14 )
شرح
( 13 ) هذا البيت مذكور أيضا في جامع الشواهد ، يغضى الأولى على صيغة المعلوم والثاني على المجهول من الاغضاء يقال : فلان أغضى عينه إذا طبق جفنيها حتى لا يبصر . قال المرزوقي : قوله « يغضى حياء » اى لحيائه يغض طرفه فهو في ملكته وكالمنخرل له ، و « يغضى من مهابته » اى ويغضى معه مهابة له ، فمن مهابته في موضع المفعول له ، كما أن قوله « حياء » انتصب لمثل ذلك والمفعول له لا يقام مقام الفاعل كما أن الحال والتمييز لا يقام واحد منهما مقام الفاعل ، ثم قال : فان قيل : إذا كان الأمر على هذا فأين الذي يرتفع بيغضى قلت : يقوم مقام فاعله المصدر كأنه قال : ويغضى الاغضاء من مهابته . والدال على الاغضاء يغضى ، كما أنك إذا قلت : سير بزيد يومين لك أن تجعل القائم مقام الفاعل المصدر كأنه قيل : سير السير بزيد يومين وهو أحد الوجوه التي فيه فاعلمه . انتهى ما أردنا من نقل كلامه . وكذا في جامع الشواهد قال : يغضى بصيغة المجهول ونائب فاعله ضمير المصدر أي الاغضاء . أقول : لما كان الإغضاء ادناء الجفون فيغضى يدل في كلا الموضعين على مفعوله اعني الطرف ولما كان من مهابته لا يقوم مقام نائب الفاعل لعدم صحة المعنى حينئذ فيدل هو أيضا على أن نائب الفاعل محذوف ولا يكون ذلك الطرف الأول لأنه لا يصح أن يقال فلان أغضى طرفه من مهابته بل يغضى طرف غيره من مهابته . والفاء في فما ويروى مكانه فلا للتعليل أيضا ويكلم بصيغة المجهول وضميره يرجع اليه عليه السّلام فمعنى البيت هو عليه السّلام يغضى طرفه من حيائه ويغضى طرف الناس من مهابته ولاجل مهابته لا يقدر أحد ان يتكلم معه ( ع ) إلَّا حين يبتسم .
هامش
( 14 ) خيزران بفتح أوله وضم ثالثه قال في الصحاح : اسم شجر وهو عروق القناة والجمع الخيازر والخيزران القصب . قال المرزوقي في شرح الحماسة : يعنى به المخصرة . . . يمسكها الملوك بأيديهم يتعبثون بها . في البحار : نقل كلام يناسب المقام فيه غرابة ، قال الزمخشري في الفائق : علي بن الحسين ( ع ) مدحه الفرزدق فقال : ) * في كفه جهنى ريحه عبق ، من كف أروع في عرنينه شمم . قال القتيبي : الجهني : الخيزران ومعرفتى هذه الكلمة عجيبة وذلك أن رجلا من أصحاب الغريب سألني عنه فلم أعرفه فلما أخذت من الليل مضجعى أتاني آت في المنام ألا أخبرته عن الجهني قلت : لم أعرفه قال : هو الخيزران فسألته شاهدا فقال : هدية طريفة في طبق مجنة فهببت وأنا أكثر التعجب فلم ألبث إلَّا يسيرا حتى سمعت من ينشد : في كفه جهنى ، وكنت أعرفه في كفه خيزران ، انتهى . قال المرزوقي : قوله « ريحه عبق » إذا فتح الباء فمخرجه مخرج المصادر كأنه نفس الشيء أو على حذف المضاف ، والأصل ذات عبق ، وإذا كسرت فهو اسم الفاعل ومعناه اللاصق بالشيء لا يفارقه . يريد ان رائحته تبقى فهي تشم الدهر من كف أروع ، وهو الجميل الوجه . ثم قال : والشمم : الطول . والعرنين : الأنف وما ارتفع من الأرض وأول الشيء وتجعل العرنين كناية عن الأشراف والسادة وإذا قرن الشمم بالعرنين أو الأنف فالقصد إلى الكرم . لذلك قال حسان بن ثابت : بيض الوجوه كريمة أحسابهم شم الأنوف من الطراز الأول انتهى ما قاله المرزوقي في شرح هذا البيت . أقول : جعل العرانين كناية عن الاشراف والسادة مما لا كلام فيه قال الشاعر : ان العرانين تلقاها محسدة ولا ترى للئام الناس حسادا ولكن الظاهر من قول الفرزدق « في عرنينه شمم » انه يصفه عليه السّلام بأنه جميل الوجه ، حسن المحيا ، صحيح الخلقة أشم الانف اى أقنى الانف ضيق المنخرين ليس بأفطس فان الفطسة عيب وعاهة والحجج الالهيّة سليمة عن العيوب والعاهات خلقا ودينا كما أشرنا اليه قبل . قال الجوهري : الفطس بالتحريك : تطامن قصبة الأنف وانتشارها والرجل أفطس والاسم الفطسة لأنه كالعاهة . والشمم ارتفاع قصبة الأنف مع حسنها واستواء أعلاها وانتصاب . . . الأرنبة أو ورود الأرنبة وحسن استواء القصبة وارتفاعها أو أن يطول الأنف ويدق وتسيل روثته فان ورود الأرنبة وشم العرنين دليل النجابة وهذا مراد من قال : العرب انما ينجح بالشمم نفيا عن انفهم الفطس الذي يكون في الزنج . وجاء في وصف شمائل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله كما في السيرة الحلبية ( ص 371 ج 3 طبع مصر ) رواية انه ( ص ) دقيق العرنين له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم وفسر الأشم في السيرة بقوله اى مرتفعا . وفي الكافي لثقة الاسلام الكليني باسناده عن جابر قال : قلت لأبي جعفر عليه السّلام : صف لي نبي اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ، قال عليه السّلام : كان نبي اللَّه ( ص ) ابيض مشرب بالحمرة - إلى أن قال - : يكاد أنفه إذا شرب أن يرد الماء ، الحديث وكنى باشراف أنفه ورود الماء عند شربه عن ستر رأسه المنخرين وميله إلى قدام ( كما في الوافي ص 160 ج 2 ) وعن عدم كونه كانف الزنج . وفي البحار للمجلسي رحمه اللَّه ( ص 107 ج 11 الكمپانى ) نقلا عن مناقب ابن شهرآشوب في شمائل جعفر بن محمد الصادق عليهما السّلام : كان الصادق عليه السّلام ربع القامة أزهر الوجه حالك الشعر جعدا أشم الأنف . وفي كتاب سرّ الأدب في مجارى كلام العرب المعروف بفقه اللغة تأليف أبى منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي النيسابوري في الفصل السابع عشر في أوصاف الأنوف المحمودة والمذمومة : الشمم : ارتفاع قصبة الأنف مع استواء أعلاها . القنا : طول الأنف ودقة ارنبته وحدب في وسطه . الفطس : تطامن قصبته مع ضخم ارنبته . إلى آخر ما قال . وأما ما استشهد به المرزوقي من بيت الحسان فهو ما جوزه الشريف علم الهدى في أماليه ( في باب المعمرين في ترجمة ذي الإصبع العدواني ) بعد ما احتمل ذلك المعنى الذي اخترناه . على أن الشم في بيت الحسان جمع أشم والأشم كما في المعاجم : السيد ذو الانفة ، ولأحد أن يدعى ان الشم إذا قرن بالأنف فالقصد إلى الكرم لا الشمم بالعرنين وذلك لان الانف نسب اليه الحمية والغضب والعزة والذلة حتى قال الشاعر كما في مفردات الراغب : إذا غضبت تلك الأنوف لم أرضها ولم اطلب العتبى ولكن أزيدها ولذا قيل شمخ فلان بأنفه للمتكبر ، وترب أنفه للذليل ، وأنف فلان من كذا بمعنى استنكف حتى قيل الانفة الحمية ولم ينقلوا للعرنين هذه المعاني مع أن مادته لا يحتملها فتأمل .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 125 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي