ما فيه من العبرة من الوصف له بالقول المسموع ولو كان بأبلغ لفظ وأفصح عبارة ثمّ أخذ في توديعهم فقال ( وداعيكم وداع امرء مرصد للَّتلاقي ) أي وداعى إيّاكم كوداع رجل مترقّب ومنتظر للملاقات من ربّه تعالى وساير الوجوه مرّ في بيان اللَّغة ( غدا ترون أيّامي ) أي بعد مفارقتي إيّاكم وتولَّى بني اميّة وغيرهم أمركم تعرفون فضل أيّام خلافتي وإني كنت بارّا بكم عطوفا عليكم وكنت على الحقّ ( ويكشف لكم عن سرائري ) ويظهر أنّى ما أردت في حروبى وساير ما أمرتكم به إلَّا وجه الله عزّ وجلّ وابتغاء مرضاته ( وتعرفوننى بعد خلوّ مكاني وقيام غيري مقامي ) أي تعرفون عدلى وقدري بعد قيام غيري مقامي بالامارة والخلافة وتظاهره بالمنكرات ، لأنّ الأشياء إنما تتبيّن بضدّها كما قال أبو تمام :
راحت وفود الأرض عن قبره
فارغة الأيدي ملاء القلوب
قد علمت ما ورثت إنما
تعرف قدر الشمس بعد الغروب
وقيل : والسرّ فيه أنّ الكمل إنما يعرف قدرهم بعد فقدهم ، إذ مع شهودهم لا يخلو من يعرفهم عن حسد منه لهم ، فكمال قدرهم مخبوء عن عين بصيرته لغشاوة حسده الَّتي عليها هذا .
وقال المحدّث العلَّامة المجلسيّ في شرح هذه الفقرات من رواية الكافي الآتية : أقول : ويحتمل أن يكون المراد بقوله : غدا ، أيام الرجعة ويوم القيامة فانّ فيهما تظهر شوكتهم ورفعتهم ونفاذ حكمهم في عالم الملك والملكوت ، فهو عليه السّلام في الرّجعة وليّ انتقام العصاة والكفّار وتمكين المتّقين الأخيار في الأصقاع والأقطار ، وفي القيامة وليّ الحساب وقسيم الجنّة والنار وغير ذلك مما يظهر من درجاتهم ومراتبهم السنية فيها ، فالمراد بخلوّ مكانه خلوّ قبره عن جسده في الرّجعة أو نزوله عن منبر الوسيلة وقيامه إلى شفير جهنّم يقول للنار : خذي هذا واتركى هذا في القيامة .
قال : وفي أكثر نسخ الكتاب أي الكافي : وقيامي غير مقامي ، وهو أنسب بالأخير ، وعلى الأوّل يحتاج إلى تكلَّف شديد كأن يكون المراد قيامه عند الله تعالى