وأكَّد الأمر بالتّوحيد واتّباع السّنة النّبويّة بقوله ( أقيموا هذين العمودين ) واستعار لهما لفظ العمود ، لأنّ مدار الاسلام ونظام أمور المسلمين في المعاش والمعاد على توحيد الله سبحانه واتباع سنّة رسوله ، كما أنّ مدار الخيمة والقسطاط على العمود ، والمراد باقامتهما الاعتقاد بهما والعمل بمقتضيات الايمان بهما .
( وأوقدوا هذين المصباحين ) وهو استعارة أخرى والجامع أنّهما يهديان إلى الصّراط المستقيم وجنّات النّعيم ، ويدلَّان على حظاير القدس ومجالس الانس ، كما أنّ بالمصباح يهتدى في غياهب الدّجى إلى الطريق المطلوب ، وذكر الايقاد ترشيح للاستعارة ( وخلاكم ذمّ ما لم تشردوا ) أي سقط عنكم ذمّ وتجاوزكم فلا ذمّ يلحقكم ما لم تنفروا .
قال في مرآة العقول : والغرض النّهى عن التّفرق واختلاف الكلمة ، أي لا ذمّ يلحقكم ما دمتم متّفقين في أمر الدّين متمسّكين بحبل الأئمّة الطاهرين أو المراد النّهى عن الرّجوع عن الدّين وإقامة سنّته .
وقوله ( حمل كلّ امرء منكم مجهوده ) كلام متّصل بما قبله ، لأنّه لمّا قال ما لم تشردوا أنبأ عن تكليفهم كلَّما وردت به السّنة النّبويّة أي كلَّف كلّ أحد منكم مبلغ وسعه وطاقته .
ولمّا كان هذا الكلام بظاهره يعطى أنه سبحانه كلَّف كلّ أحد بما هو مبلغ طاقته ونهاية وسعه فبيّن عليه السّلام أنّ التّكليف على حسب العلم واستدرك بقوله ( وخفّف عن الجهلة ) يعني أنّ الجهّال ليسوا مكلَّفين بما كلَّف به العلماء وقد قد قال الله سبحانه : * ( « إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى ا للهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ » ) * .
وهو بظاهره يدلّ على أنّ الجاهل معذور في أكثر الأحكام .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 121
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٢١