فلما فرغ من الصلاة يصعد المنبر ويحوّل ردائه فيجعل الذي على يمينه على يساره والذي على يساره على يمينه تأسّيا برسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ، وسئل الصّادق عليه السّلام عن تحويل النّبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم رداه إذ استسقى قال عليه السّلام : علامة بينه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وبين أصحابه يحول الجدب خصبا ، ويخطب بخطبتين ثمّ يستقبل القبلة فيكبّر الله مأئة تكبيرة رافعا بها صوته ، ثمّ يلتفت إلى يمينه فيسبّح الله مأئة مرّة رافعا بها صوته ، ثمّ يلتفت إلى يساره فيهلَّل الله مأئة تهليلة رافعا بها صوته ، ثمّ يستقبل الناس بوجهه فيحمد الله مأئة رافعا بها صوته والناس يتابعونه في الأذكار دون الالتفات إلى الجهات ، فان سقوا ، وإلَّا عادوا ثانيا وثالثا من غير قنوط بانين على الصوم الأوّل ان لم يفطروا وإلَّا فبصوم مستأنف إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ من أفضل الخطب المأثورة في هذا المقام وأفصحها ما خطب إمام الأنام عليه السّلام وهو قوله ( اللَّهمّ قد انصاحت جبالنا ) أي تشقّقت من المحل والجدب ( واغبرت ارضنا ) أي صارت كثير الغبار بانقطاع الأمطار ( وهامت دوابنا ) أي عطشت وتحيّرت في مرابضها ومباركها من الظَّماء وفقدان النّبات والكلاء .
( وعجّت ) أي صرخت مثل ( عجيج الثكالى على أولادها ) يحتمل رجوع الضمير إلى الثكالي ورجوعه إلى الدّواب والأوّل أظهر ( وملت التردّد في مراتعها والحنين إلى مواردها ) وذلك لأنّها أكثرت من التردّد في مراتعها المعتادة فلم تجد فيها نبتا ترعاه فملت من التردّد وكذلك لم تجد ماء في الغدران والموارد المعدّة لشربها ، فحنت إليها وملت من الحنين ، ويئست من الأنين .
( أللهمّ فارحم أنين الآنّة ) من الشياة ( وحنين الحانّة ) من النّوق ( اللَّهمّ فارحم حيرتها في مذاهبها ) ومسالكها ( وأنينها في موالجها ) ومداخلها وإنما ابتدء عليه السّلام بذكر الدوّاب والأنعام لأنها أقرب إلى الرّحمة ومظنة الافضال بها على المذنبين من الامّة .
ويرشد إلى ذلك ما في منتخب التوراة ، يا بن آدم كيف لا تجتنبون الحرام ، ولا اكتساب الآثام ، ولا تخافون النيران ، ولا تتّقون غضب الرّحمن ، فلو لا مشايخ ركَّع ، وأطفال رضّع ، وبهائم رتّع ، وشباب خشّع ، لجعلت السّماء فوقكم حديدا
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 78
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٧٨