ثمّ لا تغترّ بذلك ولا تأمن من غضبه واستشعر من قلبك الخوف ، وإذا قلت : مالك يوم الدّين ، فاحضر في نظرك أنواع غضبه وقهره على أهل الجرائم والجوائز واعلم أنّه لا مانع ذلك اليوم من سخطه ولا رادّ من عقابه ، لانحصار الملك يومئذ فيه ، فليس لأحد لجأ يؤويه .
ثمّ إذا حصلت بين الخوف والرّجاء فجرد الاخلاص والتوحيد وقل : إيّاك نعبد ، أي لا يستحقّ العبادة إلَّا أنت ولا معبود سواك ولا نعبد إلَّا إيّاك ، وتفطَّن لسرّ التكلَّم بصيعة الجمع نكتة تشريك الغير معك في الاذعان بالعبوديّة ، وهو أنّ من باع أمتعة كثيرة صفقة بعضها صحيح وبعضها معيب فاللَّازم على المشتري إمّا قبول الجميع أو ردّ الجميع ، ولا يجوز له ردّ المعيب وأخذ الصحيح ، فههنا قد مزجت عبادتك بعبادة غيرك من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين وعباد اللَّه الصّالحين ، وعرضت الجميع صفقة واحدة على حضرة ربّ العالمين ، فهو سبحانه أجلّ من أن يردّ المعيب ويقبل الصحيح ، فانّه قد نهى عباده عن ذلك فلا يليق بكرمه ذلك ، كما لا يليق به ردّ الجميع لكون بعضها مقبولا البتة فلم يبق إلَّا قبول الجميع وهو المطلوب .
ثمّ القيام منك بوظايف العبودية والاتيان بلوازم الطَّاعة لما لم يكن ممكنا إلَّا بإعانة منه سبحانه وإفاضة منه الحول والقوّة إليك فتضرّع إليه تعالى واطلب منه التوفيق والإعانة وقل : وإيّاك نستعين ، وتحقّق أنه ما تيسّرت طاعتك إلَّا باعانته وأنّه لولا توفيقه لكنت من المطرودين مع الشّيطان اللعين وإذا أظهرت حاجتك إليه سبحانه في إفاضته الإعانة والتّوفيق فعيّن مسئولك واطلب منه تعالى أهمّ حاجاتك وليس ذلك إلَّا طلب القرب من جواره ، ولا يكون ذلك إلَّا بالحركة والسكون نحوه وسلوك السّبيل المؤدّى اليه ولا يمكن ذلك إلَّا بهدايته سبحانه فقل : اهدنا الصّراط المستقيم ، قال الصادق عليه السّلام يعني أرشدنا للزوم الطَّريق المؤدّى إلى محبّتك والمبلغ إلى جنّتك والمانع من أن نتبع أهوائنا فنعطب أو نأخذ بآرائنا فنهلك .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 410
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٤١٠