تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
المعنى اعلم أنه عليه السّلام لما نبّه في الفصل السّابق على تقصير المخاطبين من بني أمية ومن يحذ وحذوهم فيما يجب عليهم رعايته ، وأشار إلى أنّ المقصرين في حقهم والظالمين لهم والسّاعين في دمائهم مؤاخذون بتقصيرهم مجزيّون بسوء أعمالهم ، عقّبه بهذا الفصل حثا لهم على طاعته وملازمته ، وترغيبا على الاقتباس من أنوار هدايته ، وتحذيرا من الركون إلى الجهالة والتيه في بوادي الرّدى والضّلالة ، وصدّر ذلك بذكر محاسن التفكَّر والبصيرة توطئة وتمهيدا فقال : ( ألا إنّ أبصر الابصار ما نفذ في الخير طرفه ) أراد بنفوذه في الخير رؤيته المحاسن واتباعها ، فانّ أفضل ابصار البصر ما يفيد للمبصر بصيرة ويجلب له فايدة في تحصيل السّعادة الأبدية والكمالات النفسانية ( ألا إنّ أسمع الأسماع ما وعى التذكير وقبله ) أي أفضل سماع الاسماع أن يحفظ التذكير والمواعظ ويتدبّر فيها فيقبلها . ( أيّها النّاس استصبحوا من شعلة مصباح واعظ متّعظ ) أي استسرجوا من شعلة سراج واعظ لغيره متّعظ في نفسه ، فانّ من لم يكن متّعظا في نفسه لا يكون موعظته مؤثرة في القلوب ، بل تكون القلوب نافرة منه والنفوس مشمئزّة قال الشاعر :
لا تنه عن خلق وتأتى مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
ولا يخفى عليك أنّ إضافة مصباح إلى واعظ إن كانت من إضافة المشبّه به إلى المشبّه فذكر الشعلة والاستصباح ترشيح للتّشبيه ووجه الشبه كونهما من أسباب الهداية ، وإن كانت الإضافة بمعنى اللام فلفظ المصباح استعارة لموعظة الواعظ والشعلة والاستصباح ترشيح الاستعارة ، ويحتمل أن يكون ذكر الشعلة تخييلا والاستصباح ترشيحا على ما ذهب إليه بعض البيانييّن من عدم الملازمة بين التخييل والاستعارة بالكناية وإمكان وجوده بدونها ، وكذلك لو كان مصباح منوّنا وواعظ بدلا منه إلَّا أنّ المستعار له على الأوّل هو الموعظة ، وعلى الثاني يحتمل أن يكون الموعظة وأن يكون نفس الواعظ