السفّاح : سألتك باللَّه إلَّا ما تخبرني ما فعل بأخي ، قال : قبضه رجل من هؤلاء القوم يقال له مروان وأدخل رأسه في جراب بقر وركب في أسفله كور الحدّادين وأمر النافخ أن ينفخ والجلَّاد يجلد حتّى ضربه عشرة آلاف سوط في ثلاثة أيّام فقام من أوسط القوم رجل يقال له : يزيد بن عبد الملك وقال : يا ويلك يا عبد السّوء لقد عظم تعريضك على بني اميّة لقد أشرف أمير المؤمنين على هلاكنا أجمع فقال : إنّ مقصودى ذلك ، فرهق السّفاح لسديف بمؤخّر عينيه وقد امتلاء حنقا وغيظا ثمّ أنشأ يقول :
حسبت اميّة أن سترضى هاشم
عنها ويذهب زيدها وحسينها
كذبت وحقّ محمّد ووصيّه
حقا ستبصر ما يسئ ظنونها
ستعلم ليلى أىّ دين تداينت
وأىّ ديون في البرايا ديونها
قال : ثمّ إنّ السّفاح بكى وعلا صياحه ، ثمّ خلع قلنسوته عن رأسه وجلد بها سرير ملكه ، ونادى : يا لثارات الحسين ، يا لثارات بني هاشم ، يا لثارات بني عبد المطلب قال : فلمّا نظر الغلمان إلى السّفاح وفعاله فتحوا أبواب الخزاين وخرجوا وفي أيديهم السيوف والأعمدة فوضعوها في رقاب بني أمية فعاد الشاعر يدور بينهم يمينا وشمالا وهو يقول : أنا الذي مدحت السّفاح فقال السّفاح لو لم تكن منهم لما دخلت معهم ، فقتله السّفاح بيده ، وجرّد سيفه وعاد يضرب يمينا وشمالا فلم تكن إلَّا ساعة أو كحلب ناقة حتى قتلوا عن آخرهم .
فبينما العبيد والخدم والغلمان حول القصر إذ خرج إليهم الدّم من الأفنية وامتلاء البواليع من دماء القتلى كأنّه السّيل أو كأفواه القرب ، فعظموا ذلك وأنكروه .
فلمّا فرغ السّفاح من القوم أمرهم أن يجمعوا القتلى ويجعلوهم مثل المصطبة ويفرشوا فوقهم الأنطاع ، ففعلوا ذلك وجلس عليها السّفاح وسديف وجماعة من بني هاشم وحشمه .
ثمّ أمر بالموائد فنصبت ، ونقلوا إليها الطعام فأكل السفاح وأهله وقومه