تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
افتقارية بأن يكون إحداهما سببا للأخرى ، أو يكونا جميعا مسبّبين عن ثالث موجب لهما ، فيجوز عند العقل انفكاك كلّ منهما عن صاحبه ، فكانت مصاحبتهما لا بالذّات بل بالاتفاق في زمان أو نحوه . فالحق تعالى إذ هو مبدء كلّ شيء كان الزّمان مخلوقا له متأخّرا عنه ، فلم يكن قديما بالزّمان ، فهو قديم بالذّات لأنّ ذاته غير متعلَّق بشيء فلا شيء قبله قبليّة بالذات ، ولا معه معيّة بالذات لما علمت ، وإذ كلّ ما سواه مفتقر الذات إليه فيكون متأخّرا عنه فيكون حادثا . فظهر بذلك عدم جواز كون شيء قبله أو معه ، لأنّه لو كان معه شيء لم يكن اللَّه سببا موجدا له ، بل يلزم أن يكون ثالث موجدا لهما ، ولو كان قبله شيء لكان ذلك القبل خالقا والخالق مخلوقا له . وتحقّق من ذلك بطلان قول من قال إنّ العالم قديم ، لأنّه إن أراد به أنّه قديم بالذات فهو يناقض كونه عالما مفتقرا إلى غيره ، وإن أراد أنّ ذاته مع ذات الباري فحيث ذات الباري لم يكن له وجود في تلك المرتبة أصلا ، وإن قال إنّه قديم بالزّمان فالزّمان ليس الَّا كمية الحركة وعددها والحركة ليست حقيقتها الَّا الحدوث والتجدّد ، فكذلك كلّ ما فيها أو معها فعلم بذلك أن لا قديم بالذّات إلَّا الأوّل تعالى . وإذا اطلق على غيره كان بمعنى ثالث نسبى غير حقيقي وهو أن يكون ما مضى من وجود شيء أكثر مما مضى من وجود شيء آخر وهو القديم العرفي هذا . ولما عرفت أنّ معنى أوليّته سبحانه كونه قديما بالذات ومبدءا للموجودات ومعنى آخريّته كونه أبديا وغاية الغايات تعرف بذلك أنه سبحانه ( بأوليته وجب أن لا أوّل له وبآخريّتة وجب أن لا آخر له ) يعني أنّه سبحانه لما كان بذاته أولا آخرا لا يمكن أن يكون لذاته أوّل وبداية ، ولا له آخر ونهاية ، كما لا يمكن أن يكون له أوّل سبقه ، ولا له آخر بعده . ويوضح ذلك رواية ميمون البان التي تقدّمت في شرح الخطبة الرابعة والثمانين