تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
ومن قاصف تميز لكم ، وعن في قوله وعن قليل بمعنى بعد على حدّ قوله : * ( عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ) * . المعنى اعلم أنّ هذه الخطبة الشريفة من الخطب التي تشتمل على ذكر الملاحم والوقايع العظيمة التي اتفقت بعده عليه السّلام أخبر فيها عمّا يكون قبل كونه ، وافتتحها بأوصاف العظمة والكمال للَّه المتعال فقال ( الأوّل قبل كلّ أوّل والآخر بعد كلّ آخر ) قد مضى تحقيق الكلام مستقصى في أوّليته وآخريّته سبحانه وأنّه لا شيء قبله وبعده في شرح الخطبة الرابعة والسّتين والرابعة والثمانين والخطبة التسعين . وأقول هنا إنّ قوله الأوّل قبل كلّ أوّل ، اخبار عن قدمه ، وقوله والآخر بعد كلّ آخر ، اخبار عن استحالة عدمه ، يعني أنه تعالى قديم أزلي ودائم أبدي وهو أوّل الأوائل وآخر الأواخر ، فلو فرض وجود شيء قبله لزم بطلان قدمه ، ولو فرض وجود شيء بعده لزم جواز عدمه ، وكلاهما محال لتنافيهما لوجوب الوجود ولا بأس بتحقيق الكلام في قدمه تعالى فنقول : إنّ القديم على ما حقّقه بعض المتألَّهين له معنيان بل معان ثلاثة : أحدها القديم الزّماني ، وهو أن لا يكون للزّمان ووجوده ابتداء واللَّه سبحانه لا يتّصف بالقدم بهذا المعنى ، لأنه تعالى برئ عن مقارنة الزّمان والتغيّر والتقدّر بالمقدار ، سواء كان مقدارا قارّا كالجسم والخطَّ ، أو غير قار كالزّمان . والثاني القديم الذاتي ، وهو أن لا يكون ذاته من حيث ذاته مفتقرا إلى غيره حتّى يكون متأخّرا عنه بالذّات ، ولا أن يكون معه شيء آخر معيّة بالذات حتّى يتأخّرا جميعا عن شيء ثالث تأخّرا بالذّات ، فانّ المعية الذاتية بين شيئين هو أن لا يمكن انفكاك أحدهما نظرا إلى ذاته عن صاحبه ، وهذا المعنى يستلزم أن يكون كلاهما معلولي علَّة واحدة ، فانّ الذّاتين إذا لم يكن بينهما علاقة ذاتية