المقام الثالث
في تحقيق الحديث المعروف المرويّ في الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن اذينة عن أبي عبد الله عليه السّلام قال : خلق الله المشيّة بنفسها ثمّ خلق الأشياء بالمشيّة .
وقد ذكروا في تأويله وجوها أشار إليها المحدّث العلَّامة المجلسيّ طاب رمسه في مرآة العقول .
الأوّل أن لا يكون المراد بالمشيّة الإرادة بل احدى مراتب التّقديرات التي اقتضت الحكمة جعلها من أسباب وجود الشّيء ، كالتّقدير في اللَّوح مثلا والاثبات فيه ، فانّ اللَّوح وما أثبت فيه لم يحصل بتقدير اخر في لوح سوى ذلك اللَّوح وإنما وجد ساير الأشياء بما قدّر في ذلك اللَّوح وربما يلوح هذا المعنى من بعض الأخبار ، وعلى هذا المعنى يحتمل أن يكون الخلق بمعنى التقدير .
الثّاني أن يكون خلق المشيّة بنفسها كناية عن كونها لازمة لذاته تعالى غير متوقّفه على تعلَّق إرادة أخرى بها ، فيكون نسبة الخلق إليها مجازا عن تحقّقها بنفسها منتزعة عن ذاته تعالى بلا توقّف على مشيّة أخرى ، أو أنه كناية عن أنّه اقتضى علمه الكامل وحكمته الشّاملة كون جميع الأشياء حاصلة بالعلم بالأصلح ، فالمعنى أنه لما اقتضى كمال ذاته أن لا يصدر عنه شيء إلَّا على الوجه الأصلح والأكمل فلذا لا يصدر شيء عنه تعالى إلَّا بإرادته المقتضية لذلك .
الثالث ما ذكره السيّد داماد قدّس الله روحه وهو : أنّ المراد بالمشيّة هنا مشيّة العباد لأفعالهم الاختيارية ، لتقدّسه تعالى عن مشيّة مخلوقة زايدة على ذاته عزّ وجلّ وبالأشياء أفاعيلهم المترتّب وجودها على تلك المشيّة ، وبذلك تنحلّ شبهة ربما أوردت ههنا ، وهي : أنه لو كانت أفعال العباد مسبوقة بإرادتهم لكانت الإرادة مسبوقة بإرادة أخرى وتسلسلت الإرادات لا إلى نهاية .
الرّابع ما ذكره بعض الأفاضل وهو : أنّ للمشيّة معنيين أحدهما متعلَّق بالشّائى وهي صفة كمالية قديمية هي نفس ذاته سبحانه ، وهي كون ذاته سبحانه
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 342
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٤٢