تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
الترّوي في الامر وايقاع الرأي فيه من جدّ واجتهاد و ( العالم ) الذي يعلم وجه المصلحة في الأمور ويكون فيها على بصيرة و ( المجرّب ) الذي حصلت له التّجارب فكان رأيه وقوله أغلب الإصابة للواقع ( تورث الحسرة وتعقب النّدامة ) . إذا المشير الموصوف بالصفات الأربع المذكورة يكون رأيه أغلب المطابقة مع الواقع فإطاعة المستشير له موجبة لظفره على المقصود ووصوله إلى مطلوبه ومخالفته مفوّتة للغرض معقّبة للحسرة خصوصا إذا كان المشير مثله عليه السّلام المتّصف بالعلم اللدني المطابق رأيه للواقع دائما يكون معصية معقّبة للنّدامة ألبتّة وموقعة في الضّلالة لا محالة . ولذلك أردف عليه السّلام كلامه بالإشارة إلى خطائهم في أمر الحكومة النّاشي من مخالفتهم له وإبائهم عن امتثال أمره فقال : ( وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة امرى ) الصّواب ( ونخلت لكم مخزون رأيي ) المصاب ( لو كان يطاع لقصير أمر ) لما حصلت الحسرة والنّدامة وقصير هذا هو قصير بن سعد مولى جزيمة الأبرش من ملوك العرب . روى انّ جزيمة قتل أبا الزّباء ملكة الجزيرة ، فبعث إليه عن حين ليتزوّج بها خدعة وسألته القدوم عليها فأجابها إلى ذلك وخرج في ألف فارس وخلف باقي جنوده مع ابن أخته عمرو بن عدي ، وأشار قصير إلى جزيمة أن لا يتوجه إليها فلم يقبل رأيه فلما قرب جزيمة من الجزيرة استقبله جنود الزباء بالعدة ولم ير منهم إكراما له فأشار قصير إليه بالرّجوع عنها وقال إنّها امرأة ومن شان النسّاء الغدر فلم يقبل فلما دخل عليها غدرت به وقتلته فعند ذلك قال قصير : لا يطاع لقصير أمر فيضرب به المثل لكلّ ناصح عصي وهو مصيب في رأيه . ( فأبيتم علىّ اباء المخالفين الجفاة والمنابذين العصاة حتّى ارتاب الناصح بنصحه ) هذا محمول على المبالغة لما ذكرنا من أنّه عليه السّلام متّصف بالعلم اللدنّي فلا يمكن شكه فيما رآه صوابا ، ويشهد بذلك قوله عليه السّلام في الخطبة الرابعة ما شككت في الحقّ مذ رأيته ، وقوله عليه السّلام في الخطبة العاشرة : وإنّ معي لبصيرتي ما لبّست على نفسي