فاستبان لك ممّا حققنا كلَّه أنّ المدار في المجاز ليس على العلاقات المعهودة وجودا ولا عدما ، بل على الارتباط والعلاقة التي يحلوها الطبع ، ويقبلها الذوق السليم والفهم المستقيم .
المسألة الخامسة
يظهر لك بالتّأمّل فيما حققناه في المسألة السّالفة أنّ العلائق المسوّغة للتّجوز لا تنحصر في عدّ ، ولا تنتهي إلى حدّ ، لأنّه بعد ما كان المدار في المجاز على المناسبة والاستحسان عرفا ، فوجوه التّناسب غير مضبوطة ، وجهات الحسن غير محصورة ، كما هو ظاهر ، ولعلّ ذلك هو السرّ في عدم مبالغة الأكثرين في حصر أنواع العلاقات وضبطها ، الَّا أنّ جمعا منهم حام حول الضّبط ، وذكر عدّة منها ، وادّعى حصرها فيها بالاستقراء ، وتريهم مع دعواهم هذه أنّهم في تعيين أصل النّوع مختلفون ، وفي العدد المعدود أيضا غير متّفقين ، حيث قلله بعضهم ، وكثره آخرون ، وغاية ما قيل أنّها خمسة وعشرون .
قال شارح المفتاح في المحكي عن كلامه : اعلم انّ العلماء قد حصروا العلاقة المعتبرة في المجاز بناء على الاستقراء في خمسة وعشرين نوعا : الأوّل اطلاق اسم السّبب على المسبّب كقوله عليه السلام : ( بلَّوا أرحامكم ولو بالسّلام ) أي صلوا ، فانّ العرب لمّا رأت بعض الأشياء يتّصل بالبلّ استعاروا البلّ بمعنى الوصل .
الثاني بالعكس كقوله : بالعطيّة منّ ، لأنّ من أعطى فقد من .
الثّالث اطلاق اسم الجزء على الكلّ كقوله تعالى : * ( ( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ) ) * اي ذاته .
الرّابع عكسه كقوله تعالى : * ( ( يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ ) ) *
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 38
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٨