ومن الغريب ( 1 ) ان المحقق المذكور لا يعتبر سوى فعلية اليقين والشك ،
ثم يذهب إلى عدم جريان الاستصحاب في الفرضين المذكورين ، فالتفت ولا
تغفل والله سبحانه المسدد .
هامش
( 1 ) ما ذكرناه في الايراد عليه ( قده ) هو الذي ذكره غيرنا أيضا ، ولكن حمل كلامه على ظاهره من اعتبار
اليقين السابق وعدم انتقاضه بيقين متأخر عنه لا يمكننا الالتزام به لقرينتين :
إحداهما : أنه قد صرح مرارا من أول الاستصحاب إلى هذا المبحث بل صرح في هذا المبحث
بالخصوص بأنه لا يعتبر في الاستصحاب سوى اليقين والشك الفعليين إلا أن أحدهما يتعلق بالحدوث
والاخر بالبقاء وجعل هذا هو المائز بين الاستصحاب وقاعدة اليقين ، ولا نحتمل في حقه ( قده ) أنه يعتبر
اليقين السابق في الاستصحاب .
والأخرى : ما ذكره من مثال الدم المحتمل كونه دم بق ، فان الظاهر أنه مثال لما هو المتعارف من
وجدان الانسان دما على ثوبه يحتمل أنه من جرح بدنه أو أنه من البق ، ومن الواضح أن الشخص في
مثل ذلك لم يحصل له يقين بنجاسة فردي الدم ، ثم حصل له يقين بطهارة أحدهما وهو ما امتصه البق
ثم اشتبه الحال بين الفردين بل اليقين والشك فعليان ، حاصلان بالفعل من دون تقدم زماني بينهما . فالمثال
لا ينطبق على ما حمل عليه كلامه .
ويمكن أن يوجه ما أفاده وإن كان على خلاف ظاهر عبارة التقريرات ببيان مقدمتين :
أحدهما : أن اليقين الاجمالي الناقض لليقين السابق والرافع له هو اليقين بالنحوين الأخيرين دون
الأول ، فلو علم تفصيلا بنجاسة كلا الإناءين ثم علم بطهارة أحدهما من دون مميز أصلا لم يتحقق
انتقاض اليقين السابق بهذا اليقين ، فلا يمكن الإشارة إلى أحدهما واقعا والحكم عليه بأنه متيقن
الطهارة . ( ظاهر كلام النائيني في التقريرات هو تحقق العلم التفصيلي - في الفرض الثاني - ثم عروض
الاشتباه ، ولكن السيد الأستاذ دام ظله حمل كلتا الصورتين على الاجمالي والفرق في كثرة المميزات
وعدم الكثرة ، فانتبه ) .
وهذا بخلاف ما إذا تعلق اليقين الاجمالي بطهارة أحدهما مع مميز له سواء كان تمييزه بالعناوين
المتعددة التي يسهل تشخيصه تفصيلا ويكون مشابها للمعلوم بالتفصيل ، كما في الفرض الثاني أم بعنوان
واحد كعنوان الاناء الشرقي - مثلا - كما في الفرض الثالث فان مثل هذا اليقين يكون ناقضا لليقين
بالنجاسة التفصيلي ، إذ يمكن الإشارة إلى ذلك الاناء بعنوانه المميز له والحكم عليه بأنه قد ارتفع عنه
اليقين بالنجاسة وتعلق اليقين بطهارته .
الثانية : أن دليل الاستصحاب يتكفل اعتبار تعلق اليقين بالحدوث والشك في البقاء ، وظاهره اعتبار
فعلية كلا الوصفين ، فلا لكون أحدهما ناقضا للاخر ، كما أنه تكفل الحكم بنقض اليقين باليقين
الاخر ، وهذا غير متصور في باب الاستصحاب لاجتماع اليقينين في آن واحد . إذن فما معنى الحكم
بالنقض وعدمه ؟ الذي يراد بالنقض كما عرفت هو النقض العملي ، وإطلاق النقض إنما هو بملاحظة
أن اليقين الاخر لو تعقب اليقين الأول واتحد متعلقهما لكان ناقضا له ، فالمراد باليقين الناقض في باب
الاستصحاب هو هذا الفرد من اليقين ، الذي لو فرض تعلقه بما تعلق به اليقين الأول وكان متأخرا عنه
كان ناقضا له ورافعا لوجوده ، وإلا فلا نقض حقيقة في باب الاستصحاب ، وأما غير هذا الفرد من
اليقين فلا يكون مشمولا لقوله : " ولكن تنقضه بيقين آخر " .
إذا عرفت هذا اتضح مراده ( قده ) فإنه اليقين الاجمالي في الفرض الأول حيث لا يحصل لنقض
اليقين السابق التفصيلي ، فلا يكون لوجوده أثر في المنع عن الاستصحاب لأنه غير مشمول للذيل .
بخلافه في الفرضين الآخرين لأنه صالح لنقض اليقين السابق كما عرفت . فليس مراده اعتبار اليقين
السابق كما توهم ، بل مراده هو اليقين الفعلي المتعلق بالحدوث ، وإن اليقين الاجمالي المقترن معه يصلح
لنقضه في بعض الصور فيكون مشمولا للحكم بالنقض في الذيل ، فيكون المورد من موارد الشبهة
المصداقية للذيل ، فتدبر جيدا .
هذا غاية ما يمكن أن يوجه به كلامه لكنه مبني أولا : على كون المستفاد من قوله : " ولكن تنقضه
بيقين آخر " حكما شرعيا مستقلا موضوعه اليقين بالنحو الذي عرفته ، فيعارض الحكم الاستصحابي أو
يقيده . وأما بناء على كون المستفاد منه تحديد جريان الاستصحاب بارتفاع موضوعه وهو الشك كما
يستفاد من قوله : " لا حتى يستيقن " فهو بيان لحكم ارشادي عقلي ، فلا يتم ما أفاده لأنه لا يزيد على
اعتبار الشك في جريان الاستصحاب ويكون متما لذلك . ومن الواضح أن الشك فيما نحن فيه موجود
بالنسبة إلى كل من الإناءين ، فلا مانع من جريان الاستصحاب وتحقيق ذلك فيما يأتي إن شاء الله .
وثانيا : على الفرق بين الفرض الأول والفرضين الآخرين ببيان أن العلم في الأول لا يرتبط بالخارج
بل هو متعلق بالجامع كما تقدم في مبحث العلم الاجمالي ، وقد تقدم منا بيان ارتباط مثل هذا المعلوم
بالاجمال بالخارج وإمكان الإشارة إلى أحدهما واقعا بواسطة منشأ العلم ، كوقوع المطر ونحوه ، فراجع .
وثالثا : على تحقيق المراد باليقين الناقض وأنه هل يختص باليقين التفصيلي أو يعم غيره ، وعلى تقدير
عمومه لغيره فهل يختلف الحال بين الفروض أو لا ؟ وتحقيقه في محله إن شاء الله .
ثم ليعلم أن مثال اشتباه الدم بدم ابق إنما يتم لو علم بامتصاص البق لدمه واحتمل أن يكون
الدم الذي يراه هو ذلك الدم الممتص ، وأما لو لم يعلم ذلك أصلا وإنما احتمله احتمالا فلا مجال لهذا
الكلام لعدم تحقق اليقين الناقض فلا مجال إلا لاستصحاب النجاسة .
هذا تمام الكلام في استصحاب مجهولي التاريخ ، ولا بأس في التعرض إلى فرع ذكر في هذا المبحث
وجعل من فروع المسالة وهو ما إذا علم بكرية الماء وملاقاته للنجاسة وشك في أن الملاقاة سابقة على
كرية الماء فيكون نجسا - بناء على عدم طهارة الماء النجس المتمم كرا - أو أن الكرية سابقة على الملاقاة فيكون الماء طاهرا .
فقد ذكر أن هذا الفرع من مصاديق المسالة وذكر له صور ثلاثة : إحداهما : أن يجهل بتاريخ كل من
الملاقاة والكرية . والثانية : أن يعلم بتاريخ الكرية دون الملاقاة ، والثالثة : أن يعلم بتاريخ الملاقاة دون
الكرية .
وإن حكم الصور الثلاث من حيث جريان الاستصحاب وعدمه هو ما تقدم في مجهولي التاريخ
ومختلفيهما . فمثلا تجري - في صورة الجهل بتأريخهما - أصالة عدم الكرية إلى زمان الملاقاة وأصالة عدم
الملاقاة إلى زمان الكرية فيتعارضان ويتساقطان بناء على أن المانع من جريان الأصل في مجهولي التاريخ
هو المعارضة ، كما أنهما لا تجريان في أنفسهما بناء على أن المانع من جريان الأصل في المجهولين في نفسه
كما ذهب إليه صاحب الكفاية .
أقول : هذه الصورة وإن كانت من موارد مجهولي التاريخ صورة لكنها ليست منها اصطلاحا ، فان
موضوع البحث في مجهولي التاريخ - على ما تقدم أن يكون موضوع الأثر هو عدم أحدهما في زمان
الاخر بنحو الموضوع المركب ، والامر ليس كذلك فيما نحن فيه ، فان عدم الكرية والملاقاة موضوع
مركب للحكم بالنجاسة ، فيصح إجراء أصالة عدم الكرية إلى زمان الملاقاة لاثبات الموضوع المركب
للحكم بالنجاسة ولكن عدم الملاقاة والكرية ليس موضوعا للحكم بالطهارة إذ مع الكرية لا أثر
للملاقاة وعدمها فلا معنى لاستصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرية ، نعم عدم الملاقاة في زمان عدم
الكرية موضوع للحكم بالطهارة .
وعليه نقول : بناء على ما حققناه من امتناع جريان الاستصحاب في مجهول التاريخ بالإضافة إلى
زمان الحادث الاخر في نفسه ، لا يصح جريان أصالة عدم الكرية إلى زمان الملاقاة الذي يقصد به إثبات
عدم الكرية في زمن الملاقاة .
وأما استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرية فقد عرفت أنه لا أثر له ولا معنى لجريانه لان الأثر
يترتب على عدم الملاقاة في زمان عدم الكرية ، لا على عدم الملاقاة في زمن الكرية . نعم يصح إجراء
أصالة عدم الملاقاة إلى زمن الكرية بالمعنى المساوق لا ثبات عدم الملاقاة في زمن عدم الكرية بان لا
يحاول جر المستصحب إلى زمان الكرية بل جره وينتهي بزمن الكرية ، فيكون المقصود من " إلى زمن
الكرية " الانتهاء بزمن الكرية لا السراية إلى زمانه وإثباته فيه ، إذ بذلك يخرج عن استصحاب المجهول
الاصطلاحي ولا يتأتى فيه المحذور المتأتي في استصحاب مجهول التاريخ .
ومنه يظهر الحال فيما إذا كان أحدهما معلوم التاريخ ، فإنه إن كانت الكرية معلومة التاريخ دون الملاقاة
جرى استصحاب عدم الملاقاة أي زمان الكرية ، ولا يجري استصحاب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة
لعدم جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ .
وإن كانت الملاقاة معلومة دون الكرية ، جرت أصالة عدم الكرية إلى زمان الملاقاة فيثبت بها
الموضوع المركب للنجاسة ، ولا يجري الأصل في عدم الملاقاة للعلم بالتاريخ .
فخلاصة الحكم في صور هذا الفرع بنجاسة الماء في صورة العلم بتاريخ الملاقاة . والحكم
بطهارته في صورتي العلم بتاريخ الكرية والجهل بتأرخيهما . هذا بناء على ما التزمنا به في مجهولي التاريخ
ومختلفيهما ، فراجع .
وقد ذهب المحقق النائيني ( قده ) إلى الحكم بنجاسة الماء في جميع الصور الثلاث :
أما صورة الجهل بتأريخهما : فلجريان أصالة عدم الكرية إلى زمان الملاقاة ، فيثبت بها النجاسة
لاحراز الملاقاة بالوجدان وعدم الكرية بالأصل . ولا مجال لجريان استصحاب عدم الملاقاة إلى حين
الكرية لعدم ترتب الأثر الشرعي عليه ، لان الحكم بالطهارة مترتب على كون الكرية سابقة على
الملاقاة ، والاستصحاب المزبور لا يثبت كون الكرية سابقة على الملاقاة إلا بالملازمة .
وأما صورة العلم بتاريخ الملاقاة والجهل بتاريخ الكرية ، فلعدم جريان أصالة عدم الملاقاة للعلم
بالتاريخ مضافا إلى كونه مثبتا . وجريان أصالة عدم الكرية إلى زمان الملاقاة ، فيثبت بها موضوع الحكم
بالنجاسة .
وأما صورة العلم بتاريخ الكرية والجهل بتاريخ الملاقاة ، فلعدم جريان أصالة عدم الكرية للعلم
بالتاريخ ، ولا جريان أصالة عدم الملاقاة لكونه مثبتا ، فيرجع في المقام إلى عموم الانفعال بالملاقاة ، لا
إلى أصالة الطهارة ، لما أسسه ( قده ) من أنه إذا ثبت حكم إلزامي للعام واستثنى منه عنوان وجودي ،
كان المدار في الحكم بالتخصيص على إحراز ذلك العنوان ، فمع عدم إحرازه يكون المرجع هو العموم ،
كما لو قال المولى لعبده لا تدخل علي أحدا إلا العالم ، فإنه لا يجوز له إدخال مشكوك العالمية عملا
بأصالة البراءة . وما نحن فيه من هذا القبيل ، لثبوت حكم عام بانفعال ملاقي النجس ، وقد خرج منه
عنوان الكر ، فمع الشك في كرية الملاقي يكون المرجع هو العموم على الانفعال بالملاقاة . هذه خلاصة
ما أفاده ( قده ) في المقام .
أقول : قد يتساءل بان أصالة عدم الملاقاة إلى زمان الكرية - في صورة الجهل بتأريخهما - وإن لم تكن
مثبتة لورود الملاقاة على الكرية ، لكنها تنفع في إثبات الطهارة وعدم النجاسة ، إذ لا شك في أن عدم
الملاقاة في زمان القلة ينفي موضوع النجاسة وهو ملاقاة القليل ، فيكون الاستصحاب مجديا من هذه
الجهة وهي نفي موضوع النجاسة وهي كافية في جريانه . فلماذا أهملها المحقق النائيني وحكم بعدم
جريان الأصل ؟ ويمكن أن يوجه كلامه بوجوه :
التوجيه الأول : أن يقال : أن الحكم بطهارة الماء الأولية وبحسب ذاته يزول بعروض ملاقاة النجس
عليه وحينئذ فان كانت الملاقاة عارضة على الكر حكم بطهارة الماء وإلا حكم بنجاسته . فالطهارة
الثابتة بعد عروض الملاقاة حكم جديد غير الطهارة الثابتة للماء في حد نفسه وقبل عروض مقتضي
النجاسة .
وعليه ففيما نحن فيه بما أنه يعلم بالملاقاة ، فطهارة الماء الأولية مرتفعة قطعا ، وإنما يشك في ثبوت
الطهارة التي موضوعها ملاقاة الكر .
ومن الواضح أن استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرية أو في زمان القلة لا يثبت موضوع الطهارة
فلا ينفع في إثبات الحكم بالطهارة .
وهذا التوجيه لا يمكن الاخذ به وتشكل نسبته إلى المحقق النائيني لوجوه :
الأول : أنه بناء عليه لا فرق بين القول باعتبار ورود الملاقاة على الكرية وسبق الكرية للملاقاة في
تحقق الاعتصام والحكم بالطهارة والقول بكفاية بينهما ، إذ استصحاب عدم الملاقاة في زمان القلة لا
يجدي في إثبات ملاقاة الكر سواء ان اعتبر تأخر الملاقاة عن الكرية أو لم يعتبر . مع أن ظاهر كلامه
بناه عدم جريان الأصل المزبور على ما التزم به من اعتبار ورود الملاقاة على الكرية بحيث لو التزم
بالقول الاخر كان الأصل مجديا ، فكيف يمكن نسبة هذا الوجه إليه ( قده ) .
الثاني : أنه بعد أن كان موضوع النجاسة هو ملاقاة غير الكر ، كان استصحاب عدم الملاقاة إلى
زمن الكرية مجديا في نفي النجاسة وإن لم يجد في إثبات الطهارة ، فيترتب عليه نفي الآثار المترتبة على
مانعية النجاسة . ولازم ذلك معارضته لاستصحاب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة المثبت للنجاسة ، فان
الاستصحاب النافي والمثبت متعارضان .
الثالث : عدم تمامية مبنى التوجيه ، فان كون الطهارة المجعولة للكر الذي لاقته النجاسة حكما آخر
غير الطهارة الأصلية ، وإن كان ممكنا ثبوتا لكن مقام الاثبات لا يساعد عليه ، فان ظاهر مثل قوله
( ع ) : " إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شئ " : إن الكر لا ينفعل بالنجاسة فهو باق على طهارته بلا
عروض مزيل عليها فالطهارة السابقة على الملاقاة والمتأخرة عنها واحدة لا متعددة .
التوجيه الثاني : أن إذا أخذ في موضوع الطهارة خصوصية سبق الكرية أو لحوق الملاقاة وورودها
على الكر بحيث كان موضوع الطهارة هو الملاقاة اللاحقة للكرية أو المسبوقة بالكرية ، فلا محالة يتقيد
موضوع الحكم العام بالنجاسة بعدم ذلك العنوان ، فيكون موضوع النجاسة هو الملاقاة غير المسبوقة
بالكرية .
ومن الواضح أن أصالة عدم الملاقاة في زمان القلة لا تجدي في نفي موضوع النجاسة إلا بالملازمة .
وهذا الوجه لا يتأتى بناء على القول بكفاية مقارنة الكرية للملاقاة في عدم الانفعال ، إذ عليه لا
يعتبر في موضوع الطهارة أزيد من ذات الامرين الملاقاة والكرية . فلا يكون موضوع النجاسة سوى
الملاقاة والقلة ، فيكون استصحاب عدم الملاقاة في زمان القلة مجديا في نفي النجاسة .
ولكنه كسابقه مما لا يمكن نسبته إلى المحقق النائيني ( قده ) ، وذلك لان لازمه عدم صحة جريان
أصالة عدم الكرية إلى زمان الملاقاة لعدم كون موضوع النجاسة مركبا بل مقيدا كما عرفت . والأصل
المزبور لا يثبت موضوع النجاسة إلا بالملازمة كما لا يخفى . مع أنه ( قده ) التزم بجريانه وترتب النجاسة
عليه ، مما يصح نسبته إليه ( قده ) .
التوجيه الثالث : أن موضوع الطهارة - بنظره ( قده ) - ليس هو الملاقاة المسبوقة بالكرية ، بل هو
ملاقاة ما كان كرا في زمان سابق على الملاقاة ، فملاقاة الكر المتخصص زمانه بهذه الخصوصية هي
الموضوع للطهارة ولازمه أن يكون موضوع النجاسة هو ملاقاة ما ليس كرا في زمان سابق على الملاقاة
- أعم من كونه كرا حال الملاقاة أو قليلا . . .
وعليه فاستصحاب عدم الملاقاة في زمان القلة لا يجدي في إثبات الطهارة ولا نفي النجاسة إلا
بالملازمة كما هو واضح ، ولا معنى لجريان الأصل في عدم الملاقاة في زمان عدم الكرية في زمان سابق على
الملاقاة ، فإنه خلف ولا محصل له كما لا يخفى .
وأما استصحاب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة لاثبات النجاسة فلا مانع منه لان مرجعه إلى استصحاب
عدم الكرية في الزمان السابق على الملاقاة ، فيثبت موضوع النجاسة ، وهو الملاقاة الثابتة بالوجدان
وعدم الكرية في زمان سابق عليها الثابت بالأصل .
وهذا التوجيه متين ولا يخلو عن دقة .
ولكنه إنما ينفع في الحكم بالنجاسة على مسلك المحقق النائيني الذي التزم بصحة الاستصحاب في
مجهولي التاريخ في نفسه .
وأما على ما حققناه من عدم صحته في نفسه - لا من جهة المعارضة - فلا أثر لهذا البيان ، لان غايته
عدم جريان استصحاب عدم الملاقاة في زمان القلة ، إلا أنه كما لا يجري هذا الأصل لا يجري الأصل
الاخر المثبت للنجاسة وهو عدم الكرية إلى زمان الملاقاة . وإذا لم يجر الاستصحاب في كلا الطرفين
فالمرجع قاعدة الطهارة .
هذا كله بالنسبة إلى ما أفاده في صورة الجهل بتأريخهما .
وأما صورة الجهل بتاريخ الكرية والعلم بتاريخ الملاقاة فقد عرفت منا ومنه أن الحكم هو النجاسة ،
فلا كلام .
وأما صورة الجهل بتاريخ الملاقاة والعلم بتاريخ الكرية ، فقد عرفت أنه ( قده ) حكم بالنجاسة بعد
عدم جريان كلا الأصلين ، لتمسكه بالعام الدال على لزوم الاجتناب على كل ما لاقى نجسا الذي
خرج منه عنوان وجودي وهو الكر ، للقاعدة التي أسسها وبنى عليها كثيرا من الفروع الفقهية ، وهي
أنه إذا ورد عام يتكفل حكما إلزاميا وخصص ذلك العام بعنوان وجودي ، فمع عدم إحراز العنوان الوجودي للخاص يكون المرجع هو العام . ولأجل ذلك بنى على حرمة النظر إلى من يشك كونها من
المحارم عملا بعموم وجوب الغض عن النساء . وذكر أن هذه القاعدة عليها بناء العرف والعقلاء .
والذي يمكن أن يقال : هو أنه لو سلم تمامية القاعدة المزبورة فهي لا تنطبق على ما نحن فيه وذلك
لان موضوعها كما أشير ا ليه هو ورود عموم يتضمن حكما إلزاميا ثم يخصص بعنوان وجودي .
ومن الواضح أن الحكم الالزامي فيما نحن فيه هو لزوم الاجتناب عن الماء النجس في الشرب مثلا ،
فإنه يحرم شرب الماء النجس كما يجوز شرب الماء الطاهر .
ولا يخفى أن نسبة ما دل على جواز شرب الطاهر إلى دليل الحرمة ليس نسبة الخاص إلى العام إذ
ليس لدينا دليل عام دال على حرمة شرب الماء بقول مطلق وخرج منه الطاهر . بل دليل الحرمة
موضوعه الماء النجس رأسا ، كما أن دليل الجواز موضوعه الماء الطاهر ، فمع الشك في موضوع الحلية
وهو الطهارة لا معنى للتمسك بدليل الحرمة بعد فرض عمومه لكل فرد من أفراد الماء .
وبعبارة أخرى : ليس المورد من موارد الشك في مصداق المخصص بل الشك في مصداق كلا
الدليلين . وليس الملحوظ هو الحكم الوضعي وهو الطهارة والنجاسة كي يقال بان لدينا عام يدل على
انفعال كل ماء يلاقي النجس وقد خرج عنه الكر ، فمع الشك في الكرية يرجع إلى عموم الانفعال إذ
ليس الحكم الوضعي حكما إلزاميا كما هو واضح ، وقد عرفت اختصاص القاعدة بمورد تكفل العام
الحكم الالزامي . فتطبيق القاعدة على ما نحن فيه غير صحيح لما عرفت من أن دليل الحرمة ليس دليلا
عاما كي يرجع إليه عند الشك . هذا أولا .
وثانيا : أنه لو فرض أن دليل الحرمة دليل عام خرج عنه الماء الطاهر فإنه يجوز شربه ، فقاعدة
الطهارة تعين كون الفرد من أفراد المخصص فلا مجال للرجوع إلى العام حينئذ .
والخلاصة أنه لا مانع من الرجوع في هذه الصورة إلى قاعدة الطهارة ، فتشترك مع الصورة الأولى
في الحكم . وتنفرد الثانية عنهما . هذا تحقيق الكلام فيما أفاده ( قده ) .
وقد نوقش ( قده ) فيما أفاده في الصورة الأولى من عدم جواز الرجوع إلى أصالة عدم الملاقاة في زمان
عدم الكرية بان عدم الانفعال أخص من الطهارة . فان الأول فرع وجود المقتضي للانفعال ، بخلاف
الطهارة فإنها قد تتحقق مع عدم المقتضي رأسا كصورة عدم الملاقاة أصلا .
وعليه فالأصل المزبور وإن لم يثبت عدم الانفعال لعدم إثباته كون الملاقاة واردة على الكرية ، إلا
أنه ينفع في إثبات الطهارة لأنه يثبت عدم الملاقاة في زمان القلة ، والماء القليل غير الملاقي للنجاسة
طاهر .
كما نوقش ما أفاده في الصورة الثالثة من الرجوع إلى القاعدة المزبورة بان القاعدة لا أساس لها
إذ لا يمكن أن يفرض كون الاحراز دخيلا في الحكم الواقعي ، ضرورة عدم دوران طهارة الماء مدار
احراز ورود الملاقاة على الكرية . كما لا يصح أن يطون الدليل متكفلا للحكم الظاهري إذ يشكل أن
يكون الدليل الواحد متكفلا لحكمين مع اختلاف الموضوع والرتبة والطولية بين الحكمين . مضافا إلى
عدم الدليل على ذلك اثباتا
وأما ثبوت الرجوع إلى العموم في مسألة الشك في الكحارم فهو بواسطة الرجوع إلى أصالة العدم
الأزلي التي يلتئم بها موضوع الحكم للعام وهوحرمة النظر لا من جهة تقيد العنوان الخاص بالاحراز .
هذه خلاصة بغض ما نوقش ( قده ) به .
ولكن جميع ما ذكر قابل للرد
أما ما ذكره من جريان أصالة عدم الملاقاة في زمان القلة لاثبات الطهارة فهو لا يخلو عن غرابة
فإنه بعد فرض كون موضوع الحاص هو الملاقاة الواردة على الكر _ كما أفاده النائيني ( قده ) _ فلا
محالة يتقيد موضوع العام بعدم ذلك فيكون موضوع النجاسة هو ملاقاة ما ليس بكر في زمان سابق
من دون أن يؤخذ فيه عنوان وجودي كعنوان القليل أو نحو ذلك فملاقاة القليل بعنوانه ليس موضوعا
للنجاسة
وعليه فمع العلم بالملاقاة كما فيما نحن فيه تكن أصالة عدم الملاقاة في زمان القلة بما لا أثر لها لا
في اثبات الطهارة ولا في نفي النجاسة كما تقدم ونفي الملاقاة بقول مطلق مما لا يصح للعلم
بتحققها
وأما مناقشة القاعدة فيمكن ردها بالالتزام بأن الحكم المعلق على الاحراز ظاهري ولا يتكفله نفس
لدليل بل الدليل عليه هو أصالة الظهور وبناء العقلاء على حجية العام في مثل ذلك فيكون التزاما
بحجية العام في الشبهة المصداقية في خصوص هذه الموارد وهو مما لا محذور فيه
وأما الدليل عليه اثباتا فهو السيرة العقلائية على ذلك فإنها لا تكاد تنكر في أنه إذا علق الترخيص
على عنوان وجودي لم يجزي الرجوع إلى أصالة الإباحة عند الشك في المصداق بل يرجع إلى دليل
التحريم وملاحظة الشواهد العرفية خير دليل على ما نقول وإذا ثبتت السيرة كفى في ثبوت القاعدة
ولو لم يحرز منشؤها فإنه لا أهمية له .
وأما دعوى الرجوع في مثال الشك في المحارم إلى أصالة العدم الأزلي فيردها :
أولا : أن أصالة العدم الأزلي ليست مما يلتفت إليها العرف ويقتنع بها كيف ؟ وهي تصورا وتصديقا
محل الكلام الدقيق بين الأعلام فلا يمكن أن يكون العمل العرفي مستندا إليها وأن كانت جارية في
نفسها
وثانيا : إن المورد ليس من موارد الأصل الأزلي فإن مورده ما إذا كان هناك عام يخصص بعنوان
وجودي فيكون موضوع الحكم في العام مركبا من عنوان العام وعدم الخاص فاضا جرت أصالة عدم
الخاص يلتئم الموضوع بثبوت جزئية أحدهما بالوجدان والاخر بالأصل . وليس ما نحن فيه كذلك ، فان
آية وجوب الغض لا تتكفل في نفسها حرمة النظر إلى كل امرأة بحيث يكون خروج المحارم
بالتخصيص . ولذا لم يتوقف أحد من المسلمين عند نزول الآية عن النظر إلى أمه وأخته حتى يرد
المخصص ، وليس ذلك إلا أن المنظور بدوا في الآية الكريمة إلى الأجانب رأسا ، فلدينا موضوعان :
أحدهما ، موضوع حرمة النظر ، والاخر ، موضوع الجواز .
ونفي أحدهما بالأصل بلا يستلزم إثبات الاخر على القول بالأصل المثبت . فالأصل الأزلي لا يجدي
في إثبات موضوع الحرمة ، فتدبر .
ثم إن هذا القائل وإن التزم هنا بجريان أصالة الملاقاة إلى زمان الكرية أو في زمان القلة ، لكنه أنكره
في مباحثه الفقهية حين تعرض لمسألة اختلاف المتبايعين في تأخر الفسخ عن زمان الخيار عدم تأخره ،
فان الشيخ ( ره ) ذكر أن في تقديم مدعى التأخير لأصالة بقاء العقد وعدم حدوث الفسخ في أول الزمان ،
أو مدعى عدمه لأصالة الصحة ، وجهين .
وقد ذكر القائل : أن هذه المسالة سيالة في كل مورد كان موضوع الحكم أو متعلقه مركبا من جزءين
وعلمنا بتحقق أحدهما ثم يتحقق الاخر مع ارتفاع الجزء الأول ، ولكن لم يعلم المتقدم منهما على الاخر .
كما لو شك في أن الفسخ وقع قبل انقضاء زمن الخيار أو بعده . أو شك في أن ملاقاة النجاسة للماء
المسبوق بالقلة هل وقع قبل عروض الكرية أو بعده ، أو شك المصلي المسبوق بالطهارة وعلم بصدور
حدث منه في أن صلاته وقعت قبل الحدث أو بعده .
والذي بنى عليه في تحقيق هذه المسالة : أنه تجري أصالة بقاء الخيار إلى زمان الفسخ فيتم بها
موضوع الحكم ، وهو الفسخ الثابت بالوجدان وبقاء الخيار المحرز بالاستصحاب . لان الموضوع مركب
منهما ، واعتبر تقارنهما في الوجود لا أزيد . ولا يعارض هذا الأصل بأصالة عدم تحقق الفسخ في زمان
الخيار ، لان الفسخ قد تحقق خارجا في زمان حكم الشارع بكونه زمن الخيار ، فلا شك لنا في تحققه في
ذلك الزمان ليحكم بعدمه ، فأصالة بقاء الخيار إلى زمان الفسخ ترفع الشك في تحقق موضوع الحكم فلا
مجال لاجراء أصالة عدم الفسخ في زمن الخيار . وإلا لجرى هذا الأصل في صورة الجهل بانقضاء زمن
الخيار ، لا في تقدمه وتأخره عن الفسخ . فمثلا لو شك في بقاء الخيار وارتفاعه جرى استصحاب بقائه
وبعد ذلك لو فسخ ذو الخيار الانفساخ ، مع أنه لو تم ما تقدم من المعارضة لجرى في هذه الصورة
استصحاب عدم تحقق الفسخ في زمن الخيار ، وهو مما لا يلتزم به .
والكلام بعينه يجري في سائر الموارد . ففي مورد الشك في تقدم الكرية على الملاقاة تجري أصالة
عدم الكرية إلى زمان الملاقاة ويترتب عليها الحكم بالنجاسة ، ولا تعارض بأصالة عدم الملاقاة في زمان
القلة ، وإلا جرت المعارضة مع الشك في أصل عروض الكرية .
كما أنه في مورد الشك في تقدم الحدث على الصلاة تجري أصالة الطهارة إلى زمن الصلاة ويترتب
عليها صحة الصلاة ، ولا تعارض بأصالة عدم الصلاة في زمن الطهارة ، وإلا جرت المعارضة مع الشك
في أصل عروض الحدث .
هذا ما ذكره " حفظه الله تعالى " مما يرتبط بما نحن فيه . والذي يظهر منه أنه نفى الاستصحاب
الجاري لنفي الموضوع ومعارضته للاستصحاب في إثباته لوجهين :
أحدهما : حلي ، وهو زوال الشك بجريان الأصل في إثبات جزء الموضوع مع إحراز الجزء الآخر
بالوجدان .
والاخر : نقضي ، وهو النقض بصورة الشك في أصل بقاء أحد جزئي الموضوع لا في تقدمه وتأخره
كما هو مورد الكلام ، ولكن كلا الوجهين مردودان .
أما الأول : فلان زوال الشك المانع من جريان الاستصحاب إما أن يكون تكوينا ووجدانا وإما أن
يكون تعبدا ، ولا زوال للشك تكوينا ، إذ الشك في تحقق الموضوع موجود بالوجدان حتى بعد جريان
الاستصحاب كما لا زوال له تعبدا ، إذ زوال الشك تعبدا إنما يتحقق فيما كان مجرى الاستصحاب
موضوعا شرعيا للمشكوك ، فالاستصحاب نفيا أو إثباتا يتكفل التعبد بزوال الشك في الحكم ، وليس
الامر فيما نحن فيه كذلك ، فان الشك في تحقق الجزء الآخر للموضوع وهو الفسخ في زمن الخيار مثلا ،
ليس مسببا شرعا عن الشك في الجزء الآخر وهو الخيار في زمن الفسخ ، فلا يكون الاستصحاب في
أحدهما رافعا للشك في الاخر تعبدا .
وإلا لأمكن أن نعكس الكلام فنقول إن أصالة عدم الفسخ في زمن الخيار ترفع الشك في تحقق
الموضوع ، فلا تعارض بأصالة بقاء الخيار في زمن الفسخ .
وبالجملة : لا سببية ومسببية شرعية بين الشكين ( بل لا سببية بينهما أصلا ) كما لا يخفى .
وأما الثاني : فلان الفرق بين موارد النقوض التي ذكرها وبين ما نحن فيه موجود ، وذلك لأنه فيما
نحن فيه يعلم بتحقق كلا جزأي الموضوع بذاتهما كالفسخ والخيار ، لكن يشك في تقارنهما أو ارتفاع
أحدهما قبل حصول الاخر . فكما يمكن إجراء أصالة بقاء الخيار في زمن الفسخ فيتم الموضوع ، كذلك
يمكن أن يجري أصالة عدم الفسخ في زمن الخيار فينفي الموضوع بنفي أحد جزئيه .
وبعبارة أخرى : إن الشك في ارتفاع الخيار قبل حصول الفسخ يلازم الشك في تحقق الفسخ في زمن
الخيار فلدينا شكان ولا مانع من جريان الاستصحاب فيهما ، فيتحقق التعارض .
وهذا بخلاف موارد النقض ، فان المشكوك فيها أصل تحقق الجزء الآخر مع إحراز أحدهما وتاريخه
كالشك في الخيار مع إحراز الفسخ وتاريخه ، فمع استصحاب الخيار يثبت كلا الجزءين ويترتب الأثر ، ولا
معنى لاستصحاب عدم الفسخ في زمن الخيار ، لان الفسخ يعلم تحققه في زمن الخيار التعبدي وهو يكفي
في ترتب الأثر . والخيار الواقعي لا يعلم بثبوته كي يستصحب عدم الفسخ في زمانه . فمرجع الاستصحاب
المزبور إلى استصحاب عدم المجموع ، وقد تقدم أنه مع استصحاب الجزء لا مجال لاستصحاب عدم
المجموع المركب ، لان المركب الموضوع للأثر هو عين الاجزاء وليس شيئا وراءها ، والمفروض أنه لا
شك لدينا سوى الشك في الجزء الذي يجري الاستصحاب فيه ، فلا مجال لاستصحاب عدم المركب ،
وهكذا الكلام في سائر موارد النقض .
فخلاصة الفرق بين ما نحن فيه وبين موارد النقض ، أن الاستصحاب النافي فيما نحن فيه الذي
يفرض معارضته للاستصحاب المثبت يجري في نفي الجزء في زمان الجزء الآخر ، وأما في موارد النقض
فخلاصة الفرق بين ما نحن وبين موارد النقض ، أن الاستصحاب النافي فيما نحن فيه الذي
يفرض معارضته للاستصحاب المثبت يجري في نفي الجزء في زمان الجزء الآخر ، وأما في موارد النقض
فهو يجري في نفي المجموع المركب ، وفرق واضح بينهما من ناحية المعارضة وعدمها ، إذ في ما نحن فيه
لدينا شكان وفي موارد نفي المجموع لدينا شك واحد هو مورد الأثر وهو الشك في وجود الجزء الذي
يجري فيه الأصل المثبت لا النافي ، فتدبر ولا تغفل .