ويرد على هذا القائل نقض آخر على مذهبه وهو أن مقتضى ما أقام من الدليل على
مختاره لو تم لزوم القول بوجوب المبايعة بالمصافقة على جميع الناس في جميع الأزمنة ،
لأن أمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان على وجه الإيجاب على الحاضرين ، فمقتضى أصالة الاشتراك في
التكليف بزعمه يوجب القول بالوجوب على الغائبين والمعدومين في زمانه ( صلى الله عليه وآله ) وهذا
القائل غير ملتزم به كما عرفت كلامه .
تبصرة
قد اتضح بما ذكرناه فساد ما تداول على ألسنة بعض الصوفية ، وتعارف بينهم من وجوب
البيعة مع الشيخ ، ومصافقة يده ، وزعموا أن مبايعة الشيخ واجبة ، وأنها جزء الإيمان ،
والإيمان لا يتحقق بدونه ، وسموا هذه البيعة بالبيعة الولوية ، وبالبيعة الخاصة الإيمانية ،
وجعلوا الأخذ بالبيعة من خصائص مشايخ الصوفية ومناصبهم .
وقالوا : إن الأخذ بالبيعة لا يجوز إلا لمن كان له إجازة ذلك من مشايخهم بطرقهم المقررة
المثبتة عندهم وهذا من أصولهم التي اتخذوها أساسا للرئاسة ، وشبكة لاصطياد العوام ،
الذين هم كالأنعام ، وقد تكرر ذكر هذه البيعة ووجوبها وعدم تحقق الإيمان بدونها في كلام
بعض رؤسائهم في تفسيره المسمى ببيان السعادة ، ولا بأس بنقل بعض كلماته ، ثم التكلم
عليه بما سنح لنا بتأييد الله عز وجل ليكون الناظر على بصيرة من أمرهم .
قال في تفسير سورة يونس : في عدم جواز أخذ البيعة من غير إجازة من المشايخ قال :
كما اجترأ المتشبهة المبطلة بالصوفية فدخلوا في ذلك من غير إذن من مشايخ المعصومين
إلى أن قال : وكذا الصوفية المحقة لا يدخلون في الأمر والنهي ، وبيان الأحكام والاستغفار
للخلق وأخذ البيعة منهم إلا إذا أجيزوا ، وسلاسل إجازاتهم مضبوطة عندهم . وقال في
تفسير سورة التوبة بعد كلام له في وجوب البيعة في كل زمان من الأزمنة ولزوم التعلق بيد
الشيخ : إن تلك البيعة كانت سنة قائمة من لدن آدم إلى زمان ظهور دولة الخاتم ( صلى الله عليه وآله ) بحيث
كان أهل كل دين لا يعدون من أهل الدين أحدا إلا بالبيعة مع صاحب ذلك الدين ، أو مع من
نصبه لأخذ البيعة من الناس ، ولتلك كانت شرائط وآداب مقررة مكتومة عندهم ولشرافة
تلك البيعة والضنة بابتذالها عند من ليس لها بأهل كانت تختفي في كل دين بعد قوته ورحلة
مكيال المكارم — صفحة 224
مساهمون: ميرزا محمد تقي الأصفهاني
ص٢٢٤