هذا الأمر مما يكلف به الناس عموما وجوبا أو استحبابا ولا يتعرض أحد منهم لذكره ولا
يسمع منهم في محاوراتهم ومكالماتهم ، ولا يعنون في محافلهم ومجالسهم أليس ذلك إلا
لوضوح عدم مشروعية المصافقة بعنوان المبايعة ، إلا مع المعصوم أو نائبه الخاص
وتوافقهم على ذلك بحيث لم يذكر ذلك أحد منهم على سبيل الاحتمال كما هو دأبهم في
كثير من المسائل الفقهية . نسأل الله تعالى العصمة من الخطأ والخطل في القول والعمل .
ولما كان كتاب هذا الشخص فارسيا رأينا أن نذكر حاصل كلامه هنا بالعربية فنقول إنه قد
استدل لاستحباب البيعة في هذا الزمان ونحوه بقوله تعالى * ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون
الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه
أجرا عظيما ) * فقال : معلوم أن ما وعد الله عليه أجرا عظيما ويكون بمنزلة الوفاء بعهد الله
فهو مستحب مؤكد إن لم يكن واجبا .
ثم قال : إن الأصل في كل فعل وترك يكون مقدمة لإطاعة النبي ( صلى الله عليه وآله ) في رسالته الرجحان .
ثم قال بعد كلام له : إذا ثبت الرجحان فيكون راجحا للإمام ونوابه بدليل أصالة الاشتراك .
هذا محصل كلامه في إثبات مرامه وأنت خبير بأن مثل هذا الكلام لا ينبغي أن يصدر من
العلماء الأعلام ، لأن الآية الشريفة إنما دلت على وجوب الوفاء بالمبايعة التي صدرت ممن
بايع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأن من وفى فله أجر عظيم ومن نكث فقد أضر بنفسه وحاق به سوء
علمه ، وفساد ضميره ، وخبث سريرته ، ولا دلالة لها على رجحان مبايعة غير النبي ( صلى الله عليه وآله )
فإثبات مقصود هذا المستدل بهذه الآية دونه خرط القتاد .
وأما الأصل الذي ذكره ففيه أولا أن رجحان ما يتوقف عليه إطاعة النبي ( صلى الله عليه وآله ) أمر عقلي ،
لا يوصف بالاستحباب الشرعي الذي له أجر وثواب زائد على أصل العمل الذي أمر به
النبي ( صلى الله عليه وآله ) فهو من قبيل طلب الماء لتحصيل الطهارة . فإثبات الاستحباب الشرعي بذلك مما
يأباه أصاغر الطلبة فضلا عن أكابر العلماء .
وثانيا : أنه لا تتوقف إطاعة النبي ( صلى الله عليه وآله ) في رسالته وأحكامه على المبايعة بالمعنى المذكور
أصلا ، بل هي فعل كسائر الأفعال ، مما يجب أخذ حكمها عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ففي كل مقام ثبت
أمره أو نهيه وجب امتثاله وإطاعته فعلا أو تركا وفي كل مقام لم يثبت عنه أمر ولا نهي ، فإن
كان من الأمور العادية كالأكل والشرب وغيرهما من الأفعال والعاديات فإن أتى به المكلف
مكيال المكارم — صفحة 221
مساهمون: ميرزا محمد تقي الأصفهاني
ص٢٢١