ثم قال ( عليه السلام ) : وإنا لا نوصف ، وكيف يوصف قوم رفع الله عنهم الرجس ! وهو الشك .
أقول : هذا بيان لرفعة شأنهم ، وقصور غيرهم عن الإحاطة بكنه معرفتهم : وذلك لأن كل
مؤمن موقن غير الإمام لا يصل إلى مرتبة علم اليقين ، إلا بعد طي ما دون تلك المرتبة من
المراتب وتلك المراتب تلازم الشك نعني ما يقابل هذه المرتبة العالية ، بخلاف الإمام فإن
معرفته في مرتبة عين اليقين ، من حين خلقه الله تعالى شأنه .
فمن هذه صفته ، لا يحيط القاصر عن درجته بمقامه .
وأيضا إن الأئمة ( عليهم السلام ) هم مظاهر صفات الله عز وجل ، فمن هذه صفته لا يشوب وجوده
شائبة شك ، أو وسوسة ، أو خطرات قلب ، في حال من الأحوال بخلاف من دونه ، فلا يمكن
لمن دونه الوصول إلى كنه معرفته ، وحقيقة ذاته ، وصفته .
وأما المؤمن فهكذا حاله بالنسبة إلى غيره ، يعني أن غير المؤمن لم يبلغ درجة الإيمان ،
حتى يعرف مقام المؤمن ، وكذا المؤمنون من كان مقامه دون مقام غيره من المؤمنين ، كأبي
ذر بالنسبة إلى سلمان مثلا ، ومن كان في الدرجة الأولى من الإيمان ، بالنسبة إلى من هو في
الدرجة الثانية ، لا يقدر على الإحاطة بمعرفة إيمان من فوقه ، وإدراك مقامه .
وأما قوله ( عليه السلام ) : وإن المؤمن ليلقى أخاه ، الخ فهو إشارة إلى علو مقام المؤمن ، وارتفاع
شأنه ، لا علة لسبب قصور غيره عن درك مقامه . كما لا يخفى فتأمل .
السادس : أن يكون المراد بالمحفوظة ، التي حفظها المستودعون المستحفظون لهذه
الأمانة الجليلة الإلهية في كل زمان ، ونعني بهم أجداد النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى أبينا آدم ( عليه السلام ) ، لأنهم
عرفوا الواجب من حقها ، فلم يؤدوها إلا إلى أهلها ، أي الأرحام الطاهرة المطهرة النقية عن
أدناس الشرك ، وأرجاس الكفر ، رغما لآناف المعاندين كما لا يخفى على من لاحظ تواريخ
أحوال آبائه ، من أبي عبد الله إلى أبي البشر صلوات الله عليهم أجمعين .
السابع : أن يكون المراد بالمحفوظة ، التي حفظها المؤمنون ، حيث جعلوها في قلوبهم ،
وحفظوا معرفتهم وشؤونهم في أفئدتهم ، وحفظوا تلك الأمانة عن أذى المعاندين ، بصون
أسرارهم ، وحسن التقية في محافل أغيارهم ، فبذلك حفظوهم عن سوء مقاصد أعدائهم ،
وحفظوها عن الاندراس والانطماس ، بذكر جميل ثنائهم عند شيعتهم وأحبائهم ، وبذلوا
أنفسهم ومهجهم ، وأموالهم ، وذراريهم لحفظهم ، وحفظ ما يتعلق بهم .
مكيال المكارم — صفحة 371
مساهمون: ميرزا محمد تقي الأصفهاني
ص٣٧١