بوجوده ( عليه السلام ) بينهم ، وقطعهم على وجوب طاعته عليهم ولزومها لهم ، لا بد من أن يخافوه
ويهابوه ، في ارتكاب القبائح ، ويخشوا تأديبه ومؤاخذته ، فيقل منهم فعل القبيح ، إلى آخر ما
أفاده أعلى الله تعالى مقامه ، وزاد له أنعامه .
وقال السيد العالم العابد الزاهد علي بن طاوس ( ره ) في كشف المحجة ( 1 ) مخاطبا لولده :
والطريق مفتوحة إلى إمامك لمن يريد الله جل جلاله عنايته به وتمام إحسانه إليه ، إنتهى
كلامه رفع مقامه .
وإن ذكرت كلمات العلماء الصالحين في هذا الباب ، طال الكتاب ، ومل الأصحاب .
فإن قلت : إذا أثبت جواز المشاهدة ، ووقوعها ، فكيف التوفيق بين ذلك وبين التوقيع
الذي خرج إلى السمري ! فقد صرح فيه بتكذيب من يدعي المشاهدة .
قلت : قد ذكر علماؤنا في ذلك وجوها أوجهها ما ذكره المجلسي في البحار ( 2 ) حيث قال
بعد ذكر التوقيع المذكور : لعله محمول على من يدعي المشاهدة مع النيابة وإيصال الأخبار
من جانبه ( عليه السلام ) إلى الشيعة على مثال السفراء ، لئلا ينافي الأخبار التي مضت وستأتي فيمن رآه
والله يعلم .
غربته ( عليه السلام )
إعلم أن للغربة معنيين : أحدهما البعد عن الأهل والوطن والديار ، والثاني قلة الأعوان
والأنصار وهو روحي فداه غريب بكلا المعنيين فيا عباد الله أعينوه ويا عباد الله انصروه .
ويدل على غربته بالمعنى الأول ما ذكرناه في عزلته وبالمعنى الثاني ما مر في حديث
الجواد ( عليه السلام ) : فإذا اجتمعت له هذه العدة ، يعني ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا من أهل الإخلاص
أظهر الله أمره ، الخ ، فانظر أيها العاقل ، كيف طالت السنون ، ومضت الأعوام ، ولم تجتمع هذه
العدة للإمام ( عليه السلام ) : فهذا أقوى شاهد على قلة أنصاره وغربته .
- ويدل على ذلك أيضا ما في البحار ( 3 ) عن غيبة الشيخ الطوسي ( ره ) النفس الزكية
غلام من آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) اسمه محمد بن الحسن يقتل بلا جرم ولا ذنب ، فإذا قتلوه لم يبق لهم
هامش
1 - المحجة : 154 فصل 150 .
2 - بحار الأنوار : 52 / 151 باب 23 ذيل 1 .
3 - بحار الأنوار : 52 / 217 باب علامات الظهور ذيل 78 .