ممّن يلوذ به ويجلس إليه / وينصرف بين يديه ، ويصحبه مذ كان طفلا إلى أن شاهدنا فيه ما قد شاهدنا ، لم نعلم له في الطفوليّة مؤدّبا عالما فنقول : أفاد منه ، ولا بعد ذلك من جليس ولا مصاحب كذلك يحسن شيئا فنقول : أفاد عنه ، ولا كانت له رحلة ولا طلب ، ولا أراه يفيد شيئا من دراسة الكتب يوازي جزءا لا يتجزّأ ممّا نراه فيه ونجده من فنون العلم والحكمة لديه .
وقد نرى من اكتهل وخرف في الطلب ورحل وكتب ولقي العلماء وأخذ عن الحكماء وأكبّ الدهر الطويل على الدراسة وحركة الحجاج والمناظرة لا يجاريه في شيء من / العلم ولا يدانيه ولا يقاربه في شيء ، ولا يقاس إليه وإن كان صاحب فنّ قد انفرد به ، وعلم قد قطع طول عمره في طلبه .
وجدناه صلوات اللَّه عليه قد نظر في كلّ فنّ وبرع في كلّ علم ، وإن تكلَّم في فنّ منها أربى على المتكلَّمين وكان فيه نسيج وحده في العالمين . أمّا علم الباطن ووجهه فهو / ال / بحر الذي لا تخاض لجّته ولا يدرك آخره .
وأمّا القول في التوحيد وتثب / ي / ت الدين والردّ على أهل اقتراف البدع والملحدين فهو واحد / ه / وهو علمه ومناره وعمدته .
وأمّا الفقه والحلال والحرام ومسائل الفتيا والأحكام فذلك مجاله وميدانه وصنعته وديدانه « 1 » .
وأمّا الطبّ والهندسة وعلم النجوم والفلسفة فأهل النّفاذ في كلّ فنّ من ذلك في يديه ، وكلَّهم في ذلك عيال عليه « 2 » . يخترع في كلّ يوم لهم من الصنائع ويبدع لهم فيه البدائع من دقائق معانيه ، وما تحار أذهانهم فيه فيما لو أخذت في تقصّي معانيه ووصف ما آثره اللَّه عزّ وجلّ به وجعله من العلم والحكمة فيه ، لقطع هذا الكتاب عمّا بنيته عليه .
وهذا من نحو براهين جدّه محمد صلَّى اللَّه عليه وآله إذ « 3 » أكمل اللَّه عزّ وجلّ ما أكمله من العلم والحكمة والفضل فيه وهو أميّ / لا يقرأ ولا يكتب ،
هامش
« 1 » في الأصل : وديوانه . والديدن والديدان الدأب والعادة .
« 2 » في الأصل : فأهل النقاذ في كل فن من ذلك عيال في يديه وكل كلم في ذلك عليه .
« 3 » في الأصل : وإذ .