قالها ودفعتها العقول الناقصة بعد أن أثبتها « 1 » وقامت حجّة اللَّه فيها عليها ، وذلك قوله سبحانه : * ( « وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وعُلُوًّا « 2 » » ) * .
وأمّا قولهم لمّا رأوا العذاب : * ( « وقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ « 3 » » ) * ، فإنّما ذلك بما قصر من عقولهم ، وليس مثل هذه العقول ذكرنا ، ولا إليها أشرنا . ولمّا كان / العقل خلق [ ا ] من خلق اللَّه لم يكن له بدّ « 4 » من زوج يشبهه لقوله عزّ وجلّ : * ( « ومِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ « 5 » » ) * ، فباطن العقل في الفضل كمثله ، وما شهد له وثبت عنده وصدّقه فذلك برهان منه له كما قال جلّ ذكره : * ( « فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ « 6 » » ) * .
فقبّل الأرض من كان في المجلس بين يديه . وقال ذلك الذي كان يقول [ بقول ] الفلاسفة : على مثل هذا ، واللَّه ، دار القوم وأخطأوه ، وحوله حاموا فجهلوه .
فقال ( صلع ) : أرأيتم لو حدّثكم رجل صادق عندكم أنّه سمع رجلا مخبولا تكلَّم بكلام الخبل ، هل كنتم تمترون في قوله ؟
قلنا : لا .
قال : فلو حدّثكم / بذلك عن رجل عاقل فاضل عالم ، أليس كنتم تشكَّون في صدقه حتّى تختبروا الرجل الذي حكى ذلك عنه ، فإن أصبتموه على ما كنتم عهدتموه من العقل والفهم والعلم كنتم على ما كنتم ، عليه من الشكّ فيما نقل إليكم عنه لصدق المخبر وحاله التي تدفع عنه وتنفي مثل ذلك الخبر ، لأنّ العقل لا يقطع على صادق بالكذب ، ولا عاقل بالخبل والتخليط ؟
قلنا : نعم .
هامش
« 1 » قالها العقل ، وأثبتها العقل .
« 2 » النمل ، 14 .
« 3 » الملك ، 10 .
« 4 » في الأصل : لم يكن بد له .
« 5 » الذاريات ، 49 .
« 6 » القصص ، 32 .