قلت : أي عاقل يرغب عن مذهبنا في البكاء بعد ثبوته عن الأنبياء * ( ومن
يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ) * ( 1 ) .
وأما ما جاء في الصحيحين ( 2 ) : من أن الميت يعذب لبكاء أهله عليه .
وفي رواية : ببعض بكاء أهله عليه .
وفي رواية : ببكاء الحي .
وفي رواية : يعذب في قبره بما نيح عليه .
وفي رواية : من يبك عليه يعذب . فإنه خطأ من الراوي بحكم العقل
والنقل .
قال الفاضل النووي : هذه الروايات كلها من رواية عمر بن الخطاب وابنه
عبد الله . ( 3 )
قال : وأنكرت عائشة ( 4 ) عليهما ونسبتهما إلى النسيان والاشتباه ، واحتجت
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 130 .
( 2 ) صحيح البخاري 1 : 155 ، صحيح مسلم 1 : 359 و 4 : 257 ، سنن ابن ماجة 1 : 173 ، سنن النسائي
1 : 213 .
( 3 ) صحيح مسلم 5 : 318 .
( 4 ) هي زوج النبي صلى الله عليه وآله وأم المؤمنين ، تزوجها النبي صلى الله عليه وآله في السنة الثانية أو
الثالثة للهجرة وتوفي عنها وهي ابنة ثماني عشرة سنة على أشهر الأقوال .
ولقب أم المؤمنين هذا لا يختص بعائشة ، فهو يطلق على كل امرأة تزوجها الرسول صلى الله عليه
وآله ، فيقال أم المؤمنين خديجة ، وأم المؤمنين حفصة . . . إلخ .
وقد لعبت عائشة دورا كبيرا في التاريخ الإسلامي ، فهي أول امرأة تقود جيشا كبيرا
لمحاربة خليفة المسلمين ، إنها عصت أمر الله وأمر رسوله لها بالذات وخرجت فقادت حرب
الجمل المشؤومة التي انتهكت فيها المحارم ، وقتلت الأبرياء وخانت العهد في الكتاب الذي
كتبته مع عثمان بن حنيف وعندما جاؤوها بالرجال مكتفين أمرت بضرب أعناقهم صبرا ،
وكأنها لم تسمع قول النبي صلى الله عليه وآله : " سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر " .
وقد سجل لها التاريخ كرها وبغضا للإمام علي لم يعرف له مثيل وصل بها إلى حد أنها لا
تطيق ذكر اسمه ولا تطيق رؤيته ، وعندما تسمع بأن الناس قد بايعوه بالخلافة بعد قتل عثمان
تقول : وددت لو أن السماء انطبقت على الأرض قبل أن يليها ابن أبي طالب ، وتعمل كل
جهودها للإطاحة به ، وتقود ضده عسكرا جرارا لمحاربته ، وعندما يأتيها خبر موته تسجد
شكرا لله ! ( أنظر : صحيح البخاري 1 : 162 وج 3 : 135 وج 5 : 140 ) .