فلمَّا صار عند غروب الشمس فإذا به أقبل ، فحقَّقه فإذا هو هائل المنظر فارتعدتُ منه ، وخطر ببالي : إن كان مراده لحوم بني آدم فهو يقصدني ، وأنا أحاكي نفسي بهذا فمثَّلته وهو يتخطَّى القتلى حتى وقع على جسد كأنه الشمس إذا طلعت ، فبرك عليه ، فقلت : يأكل منه ، وإذا به يمرِّغ وجهه عليه وهو يهمهم ويدمدم ، فقلت : الله أكبر ! ما هذه إلاَّ أعجوبة ، فجعلت أحرسه حتى اعتكر الظلام ، وإذا بشموع معلَّقة ملأت الأرض ، وإذا ببكاء ونحيب ولطم مفجع ، فقصدت تلك الأصوات فإذا هي تحت الأرض ، ففهمت من ناع فيهم يقول : وا حسيناه ! وا إماماه ! فاقشعرَّ جلدي ، فقربت من الباكي وأقسمت عليه بالله وبرسوله مَن تكون ؟ فقال : إنّا نساء من الجنّ ، فقلت : وما شأنكنَّ ؟ فقلن : في كل يوم وليلة هذا عزاؤنا على الحسين الذبيح العطشان . . ( 1 ) .
إذن ما حال العقيلة زينب ( عليها السلام ) لمَّا مروا بها مع النساء ، ورأت حِماها مجدَّلا على الصعيد ، فعزَّ عليها أن تتركه بلا مواراة ، تسفي عليه ريح الصَّبا ، ولله درّ الحجة الشيخ علي الجشي عليه الرحمة إذ يقول على لسانها تخاطب الحسين ( عليه السلام ) :
أَخِي سَائِقُ الأظعانِ عَجَّلَ بالسُّرَى * ولم يَشْفَ بالتوديعِ منكَ فُؤَاديا
أَخِي إِنَّ هذا آخِرُ الْعَهْدِ باللِّقَا * ولستُ أرى بَعْدَ الفِرَاقِ تَلاَقيا
وقد صِرْتُ في أمري بأَعْظَمِ حَيْرَة * وَمَنْ ذا ابتُلِي في الدَّهْرِ مِثْلَ بَلاَئيا
أَأَمْشي وَمَا وَارَيْتُ جَسْمَكَ أَمْ تَرَى * أُقيمُ ومنك الرَّأْسُ سَارَ أَمَاميا
ولو خَيَّروني في المُقَامِ أو السُّرَى * أَقَمْتُ ولم أَخْشَ السِّبَاعَ الضَّوَاريا
فَأَوْدَعْتُكَ الرَّحْمَنُ يا بنَ محمَّد * عليكَ سَلاَمُ اللهِ ثُمَّ سَلاَميا
تَرَحَّلْتُ فَاسْوَدَّ النَّهارُ بناظري * وَمِنْ بَعْدِكَ الأَيَّامُ صِرْنَ لياليا
فلم يَهْنَ لي عيشٌ وَلاَ لَذَّ مَطْعَمٌ * عليكَ حَنِيني مَشْرَبي وَطَعَاميا
هامش
1 - العوالم ، الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، البحراني : 512 ، بحار الأنوار ، المجلسي : 45 / 193 - 194 .