العُرى ، بأبي من لا غائب فيرتجى ، ولا جريح فيداوى ، بأبي من نفسي له الفدى ، بأبي المهموم حتى قضى ، بأبي العطشان حتى مضى ، بأبي من شيبته تقطر بالدماء ، بأبي من جدّه رسول إله السماء ، بأبي من هو سبط نبيِّ الهدى ، بأبي محمد المصطفى ، بأبي خديجة الكبرى ، بأبي علي المرتضى ، بأبي فاطمة الزهراء ، بأبي من ردَّت له الشمس حتى صلَّى ، قال : فأبكت والله كل عدوّ وصديق .
ثم إن سكينة بنت الحسين ( عليه السلام ) اعتنقت جسد أبيها ، فاجتمع عدَّة من الأعراب حتى جرّوها عنه ( 1 ) ولله درّ السيد رضا الهندي عليه الرحمة إذ يقول :
همَّت لِتَقْضِيَ من تَوْدِيعِهِ وَطَراً * وقد أبى سَوْطُ شِمْر أَنْ تُوَدِّعَهُ
فَفَارَقَتْهُ ولكنْ رَأْسُهُ مَعَهَا * وَغَابَ عَنْها ولكنْ قَلْبُهَا مَعَهُ ( 2 )
ثم إنها ( عليها السلام ) سافرت هذا السفر المحزن وهي حزينة القلب ، كسيرة الخاطر باكية العين ، ناحلة الجسم ، مرتعدة الأعضاء ، قد فارقت أعزَّ الناس عليها وأحبَّهم إليها ، تحفّ بها النساء الأرامل والأيامى الثواكل ، وأطفال يستغيثون من الجوع والعطش ، ويحيط بها القوم اللئام من قتلة أهل بيتها ، وظالمي أهلها وناهبي رحلها ، كشمر بن ذي الجوشن ، وزجر بن قيس ، وسنان بن أنس وخولي بن يزيد الأصبحي ، وحرملة بن كاهل ، وحجار بن أبجر ، وأمثالهم - لعنهم الله - ممن لم يخلق الله في قلوبهم الرحمة فإذا دمعت عيناها أهوت عليها السياط ، وإن بكت أخاها لطمتها الأيدي القاسية ، وهكذا كان سفرها هذا ( 3 ) .
ولله درّ من قال من الشعراء في وداعها للحسين ( عليه السلام ) ومسيرها من كربلاء :
أَحِجَابَ صَوْني في أَمَانِ اللهِ * عَزَّ عليَّ مَسْرَانا وَجِسْمُكَ مُوْدَعُ
هامش
1 - لواعج الأشجان ، السيد محسن الأمين : 197 - 198 .
2 - مثير الأحزان ، الجواهري : 137 .
3 - وفيات الأئمة ( عليهم السلام ) ، مجموعة من علماء البحرين والقطيف : 452 .