فالمقصود من قوله عليه السّلام امّا بعد فانّ الدّنيا قد أدبرت إلخ . انّ الدّنيا وهى الحياة الحاضرة قد أعرضت وأعلمت صاحبها بالتّوديع قد استعار عليه السّلام وشبّه الدّنيا وهى الحياة الحاضرة عن رجل ادبر واعرض عن قومه واعلمهم بالتّوديع وفيه لطائف .
إحداها - انّه عليه السّلام أفاد بقوله هذا عدم بقائها ودوامها فانّ الشّيىء الباقي لا يدبر ابدا وحيث انّها من المدبرين فهي غير باقية فلا ينبغي الرّكون إليها فانّ الاعتماد والرّكون على الفاني قبيح عقلا .
وثانيتها - انّ الادبار لها من لوازم ذاتها وماهيّتها كما هو شأن الحوادث كلَّها فلو لم تكن الدّنيا حادثه لم يكن فيها ادبار واقبال أصلا فانّ الأدبار والاقبال عبارتان عن الانقلابات الواقعة فيها وهى عين الحدوث والتّغير وكلّ متغيّر فهو فان لا محالة فالدّنيا فانية والعاقل لا يركن ولا يعتمد على ما هو موصوف بالفناء بل عينه .
وثالثتها - انّ الدّنيا مذمومة فانّ الأدبار دليل على عدم الوفاء ومشعر - بالغدر والمكر وكلّ ما هذا شأنه مذموم فالدّنيا مذمومة .
ورابعتها - انّه ينبغي لمن كان فيها غير غافل عنها لعدم اعتبارها بواسطة عدم بقائها فلو كان غافلا عنها ليضرّ بها لا محالة .
ثمّ انّه قد تواترت الآيات والآثار وكلمات القوم في ذمّها وعدم اعتبارها
وانّه لا ينبغي للعاقل الرّكون عليها .