فهو يخبط خبط عشواء ، يقوده أول باطل إلى أبعد غايات الخسارة ، ويمده ربه بعد طلبه لما لا يقدر
عليه في طغيانه ! فهو يحل ما حرم الله ، ويحرم ما أحل الله ، لا يبالي بما فات من دينه إذا سلمت له
رئاسته التي قد يتقى من أجلها ، فأولئك الذين غضب الله عليهم ، ولعنهم ، وأعد لهم عذابا مهينا .
ولكن الرجل كل الرجل نعم الرجل ، هو الذي جعل هواه تبعا لأمر الله ، وقواه مبذولة في رضى
الله ، يرى الذل مع الحق أقرب إلى عز الأبد من العز في الباطل ، ويعلم أن قليل ما يحتمله من ضرائها
يؤديه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد ولا تنفد ، وأن كثير ما يلحقه من سرائها إن اتبع هواه يؤديه إلى
عذاب لا انقطاع له ولا زوال . . فذلكم الرجل نعم الرجل ، فبه فتمسكوا ، وبسنته فاقتدوا ، وإلى ربكم به
فتوسلوا ، فإنه لا ترد له دعوة ، ولا تخيب له طلبة ) ( 1 ) .
بين أن معيار كمال الإنسان ليس الأقوال والأفعال الخاضعة ، وليس صرف
النظر عن شهوة المال والبطن ونحوها ، بل ميزان كمال الإنسان إنما هو العقل
المصفى من كدورة الهوى ليكون منشأ الصلاح والإصلاح ، والنفس التابعة
لأوامر الله تعالى ونواهيه ، بحيث لا تنخدع بأية شهوة حتى شهوة الجاه والمقام ،
وتعرض عن العز مع الباطل ، ويختار الذلة مع الحق .
3 - عن عنوان البصري وكان شيخا كبيرا أتى عليه أربع وتسعون سنة قال :
( كنت أختلف إلى مالك بن أنس سنين ، فلما قدم جعفر الصادق المدينة اختلفت
إليه ، وأحببت أن آخذ عنه كما أخذت عن مالك ، فقال لي يوما : إني رجل مطلوب ومع
ذلك لي أوراد في كل ساعة من آناء الليل والنهار ، فلا تشغلني عن وردي ، وخذ عن مالك ، واختلف إليه كما
كنت تختلف إليه ، فاغتممت من ذلك ، وخرجت من عنده وقلت في نفسي : لو تفرس
في خيرا لما زجرني عن الاختلاف إليه والأخذ عنه ، فدخلت مسجد الرسول
وسلمت عليه ، ثم رجعت من الغد إلى الروضة وصليت فيها ركعتين ، وقلت :
هامش
( 1 ) الاحتجاج للطبرسي ج 1 ص 54 .