الأعمال حتى لو كانت عبثا لكان تحملها بسبب احتمال وجود المبدأ والمعاد
جهدا ضئيلا ، ولازما لأجل دفع الشر وجلب الخير الذي لا حد له .
ومعنى قوله ( عليه السلام ) : " هو أين الأين . . . " : أنه تعالى خالق الأين والمكان والكيفية ،
والمخلوق لا يكون وصفا للخالق ، حيث إن اتصاف الخالق بصفات الخلق
يستلزم احتياج الخالق إلى خلقه ، ولهذا لا يحد بالأين والكيف ، ولا يحس
بحاسة ولا يقاس بشئ .
ومعنى قوله ( عليه السلام ) : " ويلك لما عجزت . . . " أن الذي يحصر الوجود بالمحسوس غافل
عن أن الحس موجود ولكنه ليس بمحسوس ، فالسمع - مثلا - موجود وليس
بمسموع ، والبصر موجود وليس بمرئي ، والإنسان يدرك أن غير المتناهي
غير محدود ، مع أن كل محسوس محدود ، وكم من الموجودات الذهنية
والخارجية هي وراء الحس والمحسوس .
واغتر هذا الشخص بظنه أن الموجود منحصر في المحسوس ، فأنكر خالق
الحس والمحسوس ، فهداه الإمام ( عليه السلام ) إلى أن خالق الحس والمحسوس ، والوهم
والموهوم ، والعقل والمعقول ، لا يحويه حس ، ولا وهم ، ولا عقل ، لأن كل قوة
مدركة تحيط بما تدركه ، والخالق محيط بالخلق ، فلا يمكن أن يكون خالق قوى
الحس والوهم والعقل المحيط بها ، واقعا في حيطة إدراكها ، فيكون المحيط
محاطا !
ثم ، لو كان الله تعالى محسوسا أو موهوما أو معقولا يحويه الذهن ، لصار
شبيها بما تدركه هذه القوى وشريكا له ، وجهة الاشتراك تستلزم جهة اختصاص ،
فيكون وجوده مركبا ، والتركيب من صفات المخلوق لا الخالق ، فلو كان الله
تعالى يحويه حس أو وهم أو عقل ، لكان مخلوقا لا خالقا .
مقدمة في أصول الدين — صفحة 29
مساهمون: الشيخ وحيد الخراساني
ص٢٩