عندما يواجه الإنسان أية ظاهرة في الوجود يفحص ويبحث عن الموجد
لها ، والفطرة الإنسانية متعطشة إلى معرفة مبدأ الوجود ومنتهاه .
لكن جوهرة الإيمان بالله ومعرفته ، التي هي أغلى جواهر خزانة العلم
والمعرفة ، لا ينالها - بمقتضى قاعدة العدل والإنصاف - من تلبس بالظلم للإيمان
والمعرفة بالله ، لأن إعطاء الحكمة لمن ليس بأهلها ظلم لها ، وإمساكها عن أهلها
ظلم لأهلها .
كما أن الإنسان لا يمكنه بحال أن يعتقد بعدم المبدأ والمعاد ، إلا إذا أحاط
بكل الوجود ، وأحاط بسلسلة العلل والمعلولات ، ولم يجد المبدأ والمعاد ، فما
لم تتحقق هذه المعرفة المحيطة ، فإن يقينه بعدم المبدأ والمعاد محال ، بل غاية
ما يمكنه هو الجهل بهما .
وعلى هذا ، فإن مقتضى العدل والإنصاف للشاك في وجود الله تعالى أن
لا يتجاوز مقتضى الشك قولا وعملا ، فعليه أن يعترف بعدم العلم ، وليس له أن
يدعي العلم بالعدم ، مثلا من احتمل وجودا تترتب على وجدانه السعادة الأبدية ،
وعلى فقدانه الشقاء الأبدي ، فإن وظيفته العقلية أن لا ينكر وجوده بلسانه
ولا بقلبه ، وأن يواصل - في مقام العمل - البحث عنه بكل استطاعته ، ويراعي
الاحتياط في سلوكه حتى لا يخسر السعادة الأبدية ، ولا يقع في الشقاء الأبدي
على فرض وجوده ، وذلك كما يحكم العقل عليه بأن يمسك عن الطعام اللذيذ
الذي يحتمل أن فيه سما يوجب هلاكه .
وكل شاك في وجود الله ، إذا عمل بمقتضى العدل ، الذي هو واجبه العقلي
يصل بلا شك إلى المعرفة والايمان { والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } ( 1 ) ، وإلا
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت : 69 .