ألا وأنكم لا تقدرون على ذلك ، ولكن أعينوني بورع واجتهاد ، وعفة وسداد ، فوالله ما كنزت من
دنياكم تبرا ، ولا ادخرت من غنائمها وفرا ، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا ، ولا حزت من أرضها شبرا ، ولا أخذت منه إلا
كقوت أتان دبرة ، ولهي في عيني أوهى من عفصة مقرة " . إلى أن قال : " ولو شئت لاهتديت
الطريق إلى مصفى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القز ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي
ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة ، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له
بالشبع ، . . . " ( 1 ) .
إن الحكومة الإسلامية تتجلى في مرآة وجود حاكم كان مركز حكمه
بالكوفة ، وكان يمنعه احتمال وجود من لا عهد له بالشبع بالحجاز أو اليمامة من
أن يمد يده إلى لذيذ الطعام ، ولا أعد لبالي ثوبه طمرا ، ولا حاز من أرض الدنيا
شبرا ، وهكذا كان قوته وملبسه ومسكنه في الدنيا ، لئلا يكون أحسن معيشة من
أفقر أفراد رعيته .
لقد طبق ( عليه السلام ) العدالة في أطراف مملكته ، بحيث أنه لما رأى درعه عند
يهودي ،
وقال له : " درعي سقطت عن جمل لي أورق " . فقال اليهودي : درعي وفي يدي ، ثم قال له
اليهودي : بيني وبينك قاضي المسلمين ، فأتوا شريحا ، فلما رأى عليا قد أقبل
تحرف عن موضعه وجلس علي فيه ، ثم قال علي : " لو كان خصمي من المسلمين لساويته
في المجلس . . . " ثم قال لليهودي : " خذ الدرع " فقال اليهودي : أمير المؤمنين جاء معي إلى
قاضي المسلمين فقضى عليه ورضي ، صدقت والله يا أمير المؤمنين انها لدرعك
سقطت عن جمل لك التقطتها ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ،
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : رسالة رقم 45 .