وقال ( عليه السلام ) : أحذركم الدنيا فإنها ليست بدار غبطة ، قد تزينت بغرورها وغرت
بزينتها لمن كان ينظر إليها فاعرفوها كنه معرفتها ، فإنها دار هانت على ربها ، قد
اختلط حلالها بحرامها وحلوها بمرها وخيرها بشرها ولم يذكر الله تعالى شيئا
اختصه منها لأحد من أوليائه ولا أنبيائه ولم يصرفها عن أعدائه ، فخيرها زهيد
وشرها عتيد وجمعها نفيد وملكها سليب وعزها يبيد ، فالمستمعون بالدنيا تبكي
قلوبهم وإن فرحوا يشتد مقتهم لأنفسهم وإن اغتبطوا ببعض ما منها رزقوا ، الدنيا
فانية لا بقاء لها والآخرة باقية لا فناء لها ، الدنيا مقبلة إلى الآخرة والآخرة ملجأ
الدنيا وليس للآخرة منتقل ولا منتهى ، من كانت الدنيا همه اشتد لذلك غمه ومن
آثر الدنيا على الآخرة حلت به الفاقرة ( 1 ) .
وقال ( عليه السلام ) : إنما الدنيا دار فناء وعناء وغيرة وعبر ، فمن فنائها انك ترى الدهر
موترا قوسه مفوقا نبله يرمي الصحيح بالسقم والحي بالموت والبرئ بالتهم ،
ومن عنائها أنك ترى المرء يجمع ما لا يأكل ويبني ما لا يسكن ويأمل ما لا
يدرك ، ومن عبرها أنك ترى المرحوم مغبوطا ، والمغبوط مرحوما ليس بينهم إلا
نعيم زال أو مثلة حلت أو موت نزل ، ومن عبرها أن المرء يسوف عليه أمله حتى
يختطفه دونه أجله ( 2 ) .
وقال ( عليه السلام ) : اجعل الدنيا شوكا وانظر أين تضع قدمك منها ، فإن من ركن إليها
خذلته ، ومن آنس بها أوحشته ، ومن رغب فيها أوهنته ، ومن انقطع إليها قتلته ،
ومن طلبها أرهقته ، ومن فرح بها أترحته ، ومن طمع فيها صرعته ، ومن قدمها
أخرته ، ومن أكرمها أهانته ، ومن آثرها باعدته من الآخرة ، ومن بعد من الآخرة
هامش
1 - شرح نهج البلاغة 7 : 246 / 112 .
2 - دستور معالم الحكم : 34 ، شرح نهج البلاغة 7 : 250 / 113 .