أجلب للمرؤة ( 1 ) وآنفا للحسد ، كم من باك على الدنيا طال بكاؤه منها ، وكم من
مصلح لها بافساد نفسه لها ، وكم من مستبق لها إنما جعل نفسه مستباحة لها ، وكم
من عاجز عن نفسه بالقوة بغيره ، المجانبة تجلب المعاندة ، وطول الصمت خير
من مماراة الجاهل ، والقطيعة خير من مواصلة أهل الشر ، وبالعلم تنكشف هذه
الأشياء .
وقال ( عليه السلام ) : إن أبغض الخلائق إلى الله تعالى رجلان ، رجل وكله الله تعالى إلى
نفسه ، فهو جائر عن قصد السبيل ، مشغوف بكلام بدعة ودعاء ضلالة ، فهو فتنة
لمن افتتن به ، ضال عن الهدى من كان قبله ، مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد
مماته ، حمال خطايا غيره رهن بخطيئته ، ورجل قمش جهلا ، موضع في جهال
الأمة ، عاد في أغباش الفتنة عما في عقد الهدنة ، قد سماه أشباه الناس عالما وليس
به بكر ، فاستكثر من جمع ما قل منه خير مما كثر ، حتى إذا ارتوى من آجن وأكثر
من غير طائل ، جلس بين الناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره ، فإن
نزلت به إحدى المبهمات هيأ لها حشوا رثا من رأيه ثم قطع به ، فهو من لبس
الشبهات في مثل نسج العنكبوت ، ولا يدري هل أصاب أم أخطأ ؟ إن أصاب
خاف أن يكون قد أخطأ ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب ، جاهل خباط
جهالات ، غاش ركاب عشوات ، لم يعض على العلم بضرس قاطع ، يذري
الروايات إذراء الريح الهشيم ( 2 ) ، تصرخ من جور قضائه الدماء ، وتعج منه
المواريث إلى الله تعالى ، من معشر يعيشون جهالا ويموتون ضلالا ، وليس فيهم
هامش
1 - في نسخة ( م ) : للمودة .
2 - في شرح النهج زيادة : ( لا ملى والله باصدار ما ورد عليه ، ولا هو أهل لما فوض إليه ، لا
يحسب العلم في شئ مما أنكره ، ولا يرى إن من وراء ما بلغ مذهبا لغيره وإن أظلم عليه أمر
اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه ) .