الفصل الثامن
في شجاعته وجهاده ومواقفه :
قبل الشروع في تفاصيل هذه المزايا المشار إليها لابد من بيان حقيقة الشجاعة
بذكر ماهيتها ثم بعد ذلك يقع الكلام في بيان اتصافه ( عليه السلام ) بها وظهور آثارها منه .
فأقول : الشجاعة عبارة عن قوة في القلب تبعث على الاقدام على ارتكاب
الأفعال المخوفة . فكل من حصلت له هذه الحالة فقد اتصف بالشجاعة فيسمى
شجاعا ، وقد كان ( عليه السلام ) قد منحه الله تعالى بها وأتاه إياها فإن قوة قلبه الباعثة على
إقدامه على ارتكاب الأهوال في ملاقاة الأبطال ، والانغماس في تيار الأخطار
المختطف مهج الآجال ، كانت ظاهرة على أعطافه منتشرة في جوارحه ( 1 )
وأطرافه مشتهرة من نعوته وأوصافه منذرة كل من تعرض لنزاله ، وجلادة بتجديله
وإتلافه ، يحذر أجلاد الرجال جلاد مقامه ويفر شداد الأبطال عند اشتداد أقدامه
ويفطر غمام نقع مواقفه نفوسا برعد ضربه وبرق حسامه ، وتتحاماه الآساد في
استدارة رحى الحروب ، ويتجافاه المراد عند تضايق مأزق كل أسلوب ، له وثبات
تقطع رواسي الرؤوس وتقتلع رواسخ القلوب ، وثبات إذا تزلزلت ( 2 ) الأقدام
لكرابة الكروب واختلاف الخطوب . وها أنا الآن آتي على هذا الإجمال بتفصيل
يشرحه وتبيين يوضحه فأقول :
إن عليا ( عليه السلام ) كان خوضه في غمرات الأهوال ونزوله في محال الآجال
وحلوله في مواطن شدائد الأحوال غير مكترث بأهوالها ولا مضطرب لأوجالها
ولا ملتفت إلى شئ من شدائد أحوالها ، قد صار له عادة مألوفة وسجية مستعذبة
هامش
1 - في نسخة ( م ) : جوانحه .
2 - في نسخة ( م ) : نزلت .