يأتيها إتيان مستأنس بها ألف لها وهي لكثرتها لا يضبطها حصر ولا يحصرها
ضابط ولكن أذكر طرفا صالحا منها ليكون إن شاء الله تعالى وافيا بالكشف
والبيان .
فأول ما أبدأ به أن النبي ( ص ) لما بايع طائفة من الأنصار بيعتي العقبة الأولى
والثانية صار المسلمون كلما اشتد عليهم الأذى بمكة هاجروا إلى المدينة فلما
علم المشركون بمكة أنه قد صار لهم ( 1 ) دار هجرة ورأوا أن أكثر من أسلم قد
هاجر من مكة إليها ، اجتمع رؤساء قريش لينظروا ما يصنعون بالنبي ( ص ) فأتاهم
إبليس في صورة شيخ نجدي فقال لهم : قد بلغني اجتماعكم لمشاورتكم فأحببت
أن أحضركم فما تعدمون مني رأي خير . فأدخلوه معهم واجتمعوا في دار الندوة .
فقال أبو البختري : أرى أن تحبسوا محمدا في بيت وتسدوا بابه غير كوة
يدخل منها طعامه وشرابه وتتربصوا به ريب المنون .
فقال الشيخ النجدي : ليس هذا برأي فإنه له عشيرة فتحملهم الحمية على أن
لا تمكنوا منه فتتقاتلوا .
فقالوا : صدق الشيخ .
فقال هشام بن عمرو : أرى أن تركبوه جملا شرودا وتخرجوه من بينكم
فيكون هلاكه على يد غيركم وتستريحوا منه .
فقال الشيخ النجدي : بئس الرأي هذا تعمدون إلى رجل قد أفسد سفهاءكم
فاتبعوه فتخرجوه إلى غيركم فيفسدهم ويستتبعهم وله من عذوبة القول وطلاقة
اللسان واستمالة القلوب ما قد علمتم ، والله لئن فعلتم ليجمعن الناس ويقاتلكم
ويخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم .
فقالوا : صدق الشيخ .
فقال أبو جهل : والله لأشيرن عليكم برأي لا أرى غيره ، وهو أن تأخذوا من
هامش
1 - في نسخة ( م ) : للمسلمين .