ناصية كل شئ ، لا يملكون لنفسهم نفعا ولا ضرا . ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، نعبده
ونستعين به وندعوه ونبتهل إليه ، وأنكروا عليهم ما اتفق الكل على خطره وتحريمه ،
وكونوا أشداء على الكفار رحماء بينكم .
فكروا فيما يهم المسلمين ، وفي الأمور التي تورث التودد وتوحيد الكلمة ، وتوثق
عرى الأخوة الإسلامية ، ولا تشغلوا أنفسكم وأوقاتكم بمباحث أكل عليها الدهر
وشرب ، وأدى التعصب فيها إلى فتن كبيرة وإلى إتلاف النفوس . فقد جرب المسلمون
أضرار أمثال هذا الجدل والنقاش وأخطارها ، وعرفوها ، فاعرفوها أنتم واعتبروا بها ،
ولنذكر نموذجا منها ، تلك الفتنة التي وقعت بين الحنابلة والشافعية ، وكان السبب في
إثارتها ، أسلافكم الحنابلة وأصحاب أبي محمد البربهاري ، كما يحدثنا ابن الأثير بما نصه :
( فخرج توقيع الراضي بما يقرأ على الحنابلة ينكر عليهم فعلهم ، ويوبخهم باعتقاد
التشبيه وغيره ، فمنه تارة إنكم تزعمون أن صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال
رب العالمين ، وهيئتكم الرذلة على هيئته ، وتذكرون الكف والأصابع والرجلين
والنعلين المذهبين والشعر القطط والصعود إلى السماء والنزول إلى الدنيا ، تبارك الله عما
يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا ، ثم طعنكم على خيار الأئمة ، ونسبتكم شيعة آل
محمد ( صلى الله عليه وآله ) إلى الكفر والضلال ، ثم استدعاءكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة
والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن ، وإنكاركم زيارة قبور الأئمة ، وتشنيعكم
على زوارها بالابتداع ، وأنتم مع ذلك تجتمعون على زيارة قبر رجل من العوام ليس
بذي شرف ولا نسب ولا سبب برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وتأمرون بزيارته وتدعون له معجزات
الأنبياء وكرامات الأولياء ، فلعن الله شيطانا زين لكم هذه المنكرات ، وما أغواه ) ( 1 ) .
اجتمعوا ، وكونوا صفا واحدا ، واسما على مسمى ، رابطة بين المسلمين والعلماء
الصالحين المصلحين وأصحاب الغيرة على النواميس الإسلامية ، لامع الحكومات
وعملائهم ، فإن أكثرهم كما تعلمون يهابون الوحدة الإسلامية ويخشونها ، إيمانا منهم
هامش
( 1 ) الكامل لابن الأثير ، الجزء 8 ، الصفحة 308 .