الأمر ) وقد استدل على هذه المعاني مستشهدا بالقرآن المجيد ، وإن كان الأنسب أن
يستشهد في الاستدلال على ( الفراغ من الأمر ) بقوله تعالى ( فإذا قضيت الصلاة ) ( 1 ) .
وواضح أن المعنى المناسب من هذه المعاني الخمسة للقضاء الذي يقترن ذكره بالقدر ،
هو : الأمر والحكم الذي يشمل الحكم والقضاء التكويني والحكم والقضاء التشريعي .
وما ورد النهي عن التكلم فيه هو الكلام في القدر ، وليس المراد منه أن الكلام
والفحص عن كيفية الأشياء ممنوعان ومنهي عنهما - كما لو أردنا أن نعرف مثلا مم يتألف
الماء وكم هي نسبة عناصره بالمئة ، أو نعرف مقدار الهواء والأشياء الأخرى - فكل ذلك
ليس منهيا عنه ، وما هو بواد مظلم حتى يكون السلوك فيه خطرا ، فاكتشاف علل
الأشياء الظاهرية والطبيعية والكلام فيها وفي ما هو مبدأ العلوم المتعارفة ، كالطب
والكيمياء والفيزياء والهيئة وغيرها ، كل ذلك غير منهي عنه ، بل التدبر والتفكر فيه مما
رغبت فيه الآيات وحضت عليه الأحاديث كما يقول القرآن الكريم ( وفي الأرض آيات
للموقنين ، وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) ( 2 ) .
كما أن البحث أو الفحص عن الحكمة من الأحكام الإلهية وما فيها من مصلحة ،
وهو ما تتناوله أقلام المتكلمين ، كل ذلك ليس بحثا عن القدر ، إلا أن يكون البحث في
سلسلة أحكام عبادية بحتة ، ومعرفة أسرارها وعللها لا تتم إلا عن طريق الوحي
والنبي الأكرم نفسه ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة من بعده ( عليهم السلام ) الذين هم خلفاءه ، فبواسطتهم يمكن
استكشافها ومعرفة كنهها ، فليس بيان حكمتها تعويلا على الحدس والتخمين فيها
مقنعا والقول بغير علم فيها منهي عنه .
ولعل المقصود من القدر ، الغامضة معرفته والمظلم مسلكه وواديه ، هو المعايير
والمقادير والنظم الكائنة في عالم الخلق - غير النظم الظاهرية والأسباب والمسببات
المعلومة - والأمور التي لا يرقى إليها إدراك البشر والبعيدة عن متناول العلوم البشرية ،
وبعبارة أخرى أسرار الخلق والإيجاد والنظم والأحوال الكلية ، العامة الجارية على
العالم وسر قسمة الأرزاق .
هامش
( 1 ) الجمعة - 10
( 2 ) الذاريات - 20