هذا النظام فقد أسند صدورها إليهم أنفسهم ، فما هو متعلق الإرادة كون العباد مخيرين ،
ومن هذه الجهة فإنه لم يجبر العباد ولم يضطرهم على صدور أفعال الخير ، ولم يرد أن
يضيق عليهم ويثقلهم ويعسر عليهم ، لذا فإن جميع العالم يجري وفقا لإرادة الله تعالى
ومشيئته ، ولا يقع شئ خارج إرادته ومشيئته ، ومن ذلك أفعال العباد أيضا فلا تصدر
عنهم جبرا ، ومع ذلك فجريان نظام العالم تحت رعايته ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو
يجري بحوله وقوته و ( كل يوم هو في شأن ) .
الاعتقاد في القضاء والقدر
ذكر الصدوق رحمه الله في هذا الباب روايات مهمة وغزيرة جدا ، يدرك
مضامينها المتضلعون في المعرفة إلى حد ما . وهذه الروايات تشير إلى غموض أمر القدر
وعظمة أسرار الخلق ودقائقه ، وعجز البشر عن أن يتوصل إلى معرفة جميع أسرار عالم
الخلق والأفعال ، بحيث يبسط العارفون ألسنة التقديس والتسبيح تلقائيا خاضعين
خاشعين لله وهم يصغون إلى هذا النشيد الصوفي الرائع :
أنى يحيط بكنه ذاتك عابد * أم كيف يرقى للعقاب ذباب
أتحيط بالبحر الخضم فراشة * فيماط عن رب الوجود حجاب ( 1 )
فسبحان الذي دانت له السماوات والأرض بالعبودية .
والغرض أن هذه الروايات عند أولئك الذين ذاقوا من عين طعم معرفة الله وأسماءه
الحسنى ، في منتهى العذوبة .
أما الشيخ أبو عبد الله المفيد فقد أشار في معنى القضاء إلى أربعة معان بل إلى خمسة
معان ) وهي ( الخلق ) و ( الأمر ) و ( الإعلام ) و ( القضاء في فصل الخصومات و ( الفراغ من
هامش
( 1 ) البيتان ترجمة لقول الشاعر :
هرگز نرسد به كنه معبود كسى * چون فهم كند سر هما را مگسى
از روى مثل خداست درياى محيط * وآن را نكند احاطه هر خار وخسى