ويجب الامساك عنده إلا أنه لا يدل على تحقق الفجر به فلعله تحقق قبل ذلك وإنما منع
من ظهوره ورؤيته النور الباقي من أول الليل ، كما يمنع منه نور القمر في الليالي المقمرة ،
ولكن مع ذلك يحكم بعدم جواز الأكل والشرب قبل ذلك بحكم الاستصحاب فلا فائدة
عملية في ذلك ، فإنه كيف كان يجوز الأكل والشرب قبل ذلك كما يجب تركهما بعده .
نعم لو ادعى أحد بمناسبة الفارق الزماني المذكور سبق طلوع الفجر على زمان
اشتداد الضوء وانتشاره ، وادعى تحققه في زمان معين قبل ذلك ، فعليه العمل على طبق
قطعه ، فلا يجوز له الأكل والشرب وإلا فيعمل على الاستصحاب إلى زمان حصول
اليقين بدخول الصبح .
هذا تمام الكلام في هذا الأمر والله هو الموفق للصواب .
الأمر الثالث
هل الحكم المستفاد من قوله تعالى ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض
من الخيط الأسود ) ( 1 ) حكم واقعي أم حكم ظاهري مجعول للشاك في بقاء الليل
وجواز الأكل والشرب ؟ وهل التبين المذكور في الآية الكريمة اخذ على نحو
الطريقية أو الموضوعية ؟
والجواب إنه يجوز أن يكون حكم جواز الأكل والشرب المستفاد من الآية الشريفة
حكما واقعيا تكون غايته التبين المذكور فيها ، وهي تتحقق بتحقق الخيط الأبيض
المتبين من الخيط الأسود للناس من ذوي الأبصار المتعارفة كسائر المبصرات إذا لم يكن
عن تبينه مانع كغلبة نور القمر في الليالي المقمرة ، وعليه يكون الحس والرؤية الطريق
للاحراز هذا الأمر المتبين بنفسه كسائر الموضوعات المحسوسة والمبصرة من غير
احتياج إلى جعل من الشارع ، وعلى هذا الاستظهار يكون ما هو الموضوع لتحقق
هامش
( 1 ) قال في مجمع البيان : والخيط الأبيض بياض الفجر والخيط الأسود سواد الليل وأول النهار طلوع الفجر
الثاني لأنه أوسع ضياء ، وقال ابن الأثير في النهاية وفي حديث عدى ( الخيط الأبيض من الخيط الأسود )
يريد به بياض النهار وسواد الليل .