قلنا : إن ما قلتم خلاف الظاهر ، فإن مدلولها ليس أن بعضهم أولى ببعض تشريعا
وقانونا وإن كان أبعد من الميت من غيره ، بل في الآيتين مضافا إلى تشريع أولوية
بعضهم ببعض إشارة إلى جهة واقعية ، ورابطة تكوينية تكون بين الوارث والمورث
وهي المناط في أولوية الوارث ، فمن كان بهذه الرابطة أقرب إلى الميت فالعرف
والارتكاز يراه أولى به ، والشرع قرر هذا الارتكاز العرفي ، فجاء تشريعه موافقا
للتكوين ، فكأنه بقوله ( وأولوا الأرحام . . . ) بين ما يراه العرف ، ويأمر به حسب اقتضاء
طبع الموضوع .
وكيف كان فلا ريب في أن الأقرب يمنع الأبعد بحكم الآيتين ، وأن توريث الأبعد
بالعصبة في الموارد الكثيرة نقض لهذه القاعدة المرتكزة في الأذهان التي حكم بها
الشارع ، وأبطل بها غيرها من أحكام الجاهلية ، كما أنه لا ريب في أن خصوص الذكر
الأقرب من الميت دون الأنثى التي هي في درجته ، كما يفعله القائل بالتعصيب ، خروج
على هذا النص القرآني .
آية أخرى :
ومما خرجوه على النصوص القرآنية قولهم بأن الأخ يرث النصف مع البنت ، فإنه
مضافا إلى خروجه على قوله تعالى ( وأولوا الأرحام . . . ) خروج على النص القرآني
الآخر وهو قوله تعالى ( إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو
يرثها إن لم يكن لها ولد ) ( 1 ) وذلك لأن إرث الأخ من الأخت مشروط بحكم الآية بانتفاء
الولد ، ولا ريب في أن البنت ولد ، بدليل قوله تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر
مثل حظ الأنثيين ) فلا يكون الأخ وارثا مع الولد مطلقا بنتا كان الولد أو ابنا ، لأن المشروط
ينتفي بانتفاء شرطه ، فتوريث الأخ النصف مع البنت خروج على الكتاب العزيز .
هامش
( 1 ) النساء - 176