يا نفس :
إن الله خلق الآفة وجعل النطق مثارها ( 1 ) ، وقدر السلامة وجعل الصمت
مدارها ، فالصمت يلزمك السلامة ، ويؤمنك الندامة ، واللسان قليل الخير ، وغير
مأمون الغير ، والصمت سلم الخلاص ، والنطق يحبس الهزار ( 2 ) في الأقفاص ،
واللفظ شين ( 3 ) المحافل ، والجرس آفة القوافل ، خير القوس المكتوم ، وخير
الشراب المختوم ، رنين القسي يطرد الظبا ، ووسواس الحلي يوقظ الرقبا ،
وفرسان الكلام يوم القيامة مشاة ، والمتجملون بزخارف العبارات عراة .
يا نفس :
فما اللسان إلا سبع صوال فقيديه ، أو صارم مسلول فاغمديه ، وسيأتي
يوم يندم فيه الفصيح ، والطير الذي يصيح ، ولو كان سحبان ( 4 ) عاقلا ، لتمني
أن يكون باقلا ( 5 ) ، وأجبن الفرسان ، من حارب باللسان ، وأحمس ( 6 ) الكماة ،
هامش
( 1 ) في ب : منارها .
( 2 ) بفتح الهاء : العندليب والجمع العنادل ، والبلبل يعندل : إذا صوت . حياة الحيوان 2 : 82 .
( 3 ) وهو خلاف الزين ، أو العيب . اللسان 13 : 244 شين .
( 4 ) هو : سحبان بن زفر بن أياس الوائلي من باهلة ، خطيب وفصيح يضرب به المثل في البيان ، اشتهر
في الجاهلية وعاش زمنا في الاسلام ، وكان إذا خطب يسيل عرقا ولا يعيد كلمة ، ولا يتوقف ولا يقعد
حتى يفرغ . الأعلام للزركلي 3 : 79 .
( 5 ) هو : بأقل الأيادي ، جاهلي يضرب بعيه المثل ، قيل اشترى ظبيا بأحد عشر درهما فمر بقوم فسألوه
بكم اشتريته ؟ فمد لسانه ومد يديه ، يريد أحد عشر ، فشرد الظبي وكان تحت إبطه ، والمثل - " أعيى
من بأقل " - مشهور . الأعلام للزركلي 2 : 42 ، والمنجد في الأعلام : 113 .
( 6 ) في ب : وأحسن .