فإذا وصلت إلى جانبك زواريق السبايا ، وبرزن الجواري منها ، فستحدق
بهم طوائف المبتاعين من وكلاء قوّاد بني العباس وشراذم من فتيان العراق ، فإذا
رأيت ذلك فأشرف من البعد على المسمّى عمر بن يزيد النخّاس عامّة نهارك ، إلى
أن يبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا وكذا ، لابسة حريرتين صفيقتين ، تمتنع من
السفور ، ولمس المعترض والانقياد لمن يحاول لمسها ويشغل نظره بتأمّل مكاشفها
من وراء الستر الرقيق ، فيضربها النخّاس ، فتصرخ صرخةً روميةً ، فاعلم أنّها
تقول : واهتك ستراه ، فيقول بعض المبتاعين : عليّ بثلاثمائة دينار ، فقد زادني
العفاف فيها رغبةً ، فتقول بالعربية : لو برزت في زيّ سليمان ، وعلى مثل سرير ملكه ،
ما بدت لي فيك رغبة ، فأشفق على مالك . فيقول : فما الحيلة ولا بدّ من بيعك ، فتقول
الجارية : وما العجلة ولا بدّ من اختيار مبتاع يسكن قلبي إلى أمانته وديانته ؟
فعند ذلك قم إلى عمر بن يزيد النخّاس وقل له : إنّ معي كتاباً ملصقاً لبعض
الأشراف كتبه بلغة روميّة وخطّ رومي ، ووصف فيه كرمه ووفاءه ونبله وسخاءه ،
فناولها لتتأمّل منه أخلاق صاحبه ، فإن مالت إليه ورضيته ، فأنا وكيله في ابتياعها
منك .
قال بشر بن سليمان النخّاس : فامتثلت جميع ما حدّه لي مولاي أبو الحسن
( عليه السلام ) في أمر الجارية ، فلمّا نظرت في الكتاب بكت بكاءً شديداً ، وقالت لعمر بن
يزيد النخّاس : بعني من صاحب هذا الكتاب ، وحلفت بالمحرّجة المغلّظة ( 1 ) إنّه متى
امتنع من بيعها منه قتلت نفسها ، فما زلت أُشاحّه في ثمنها حتّى استقرّ الأمر فيه على
مقدار ما كان أصحبنيه مولاي ( عليه السلام ) من الدنانير في الشستقة الصفراء .
هامش
( 1 ) أي اليمين المؤكّدة التي لا يمكن للحالف معها أن يبرّ قسمه .