[ بطلان الجبر ] :
فأمّا الجبر الذي يلزم من دان به الخطأ ، فهو قول من زعم أنّ الله جلّ وعزّ
أجبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها ، ومن قال بهذا القول فقد ظلّم الله في
حكمه وكذّبه وردّ عليه قوله : ( وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَداً ) ( 1 ) ، وقوله : ( ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ
يَداكَ وَأنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّم لِلْعَبيدِ ) ( 2 ) ، وقوله : ( إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ
النَّاسَ أنْفُسَهُمْ يَظْلِمونَ ) ( 3 ) ، مع آي كثيرة في ذكر هذا .
فمن زعم أنّه مجبرٌ على المعاصي ، فقد أحال بذنبه على الله ، وقد ظلّمه في
عقوبته ، ومن ظلّم الله فقد كذّب كتابه ، ومن كذّب كتابه فقد لزمه الكفر باجتماع
الأُمّة .
ومثل ذلك مثل رجل ملك عبداً مملوكاً ، لا يملك نفسه ، ولا يملك عَرَضاً من
عرض الدنيا ، ويعلم مولاه ذلك منه ، فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق لحاجة
يأتيه بها ، ولم يملّكه ثمن ما يأتيه به من حاجته ، وعلم المالك أنّ على الحاجة رقيباً
لا يطمع أحد في أخذها منه إلاّ بما يرضى به من الثمن ، وقد وصف مالك هذا العبد
نفسه بالعدل والنصفة وإظهار الحكمة ونفي الجور ، وأوعد عبده إن لم يأته بحاجته أن
يعاقبه على علم منه بالرقيب الذي على حاجته أنّه سيمنعه ، وعلم أنّ المملوك
لا يملك ثمنها ولم يملّكه ذلك ، فلمّا صار العبد إلى السوق ، وجاء ليأخذ حاجته التي
هامش
( 1 ) سورة الكهف : 49 .
( 2 ) سورة الحجّ : 10 .
( 3 ) سورة يونس : 44 .