التفصّي من الطينة ! إن كانت الطينة حيّة أزلية ، فكانا إلهين قديمين فامتزجا ودبّرا
العالم من أنفسهم ، فإن كان ذلك كذلك ، فمن أين جاء الموت والفناء ؟ وإن كانت
الطينة ميّتة فلا بقاء للميّت مع الأزلي القديم ، والميّت لا يجيء منه حيّ .
وهذه مقالة الديصانية ، أشدّ الزنادقة قولا وأمهنهم مثلا ، نظروا في كتب
قد صنّفها أوائلهم ، وحبّروها بألفاظ مزخرفة من غير أصل ثابت ، ولا حجّة
توجب إثبات ما ادّعوا ، كلّ ذلك خلافاً على اللّه وعلى رسله بما جاءوا عن اللّه .
فأمّا من زعم أنّ الأبدان ظلمة ، والأرواح نور ، وأنّ النور لا يعمل الشرّ ،
والظلمة لا تعمل الخير ، فلا يجب عليهم أن يلوموا أحداً على معصية ولا ركوب
حرمة ولا إتيان فاحشة ، وإنّ ذلك عن الظلمة غير مستنكر ، لأنّ ذلك فعلها ولا له
أن يدعو ربّاً ، ولا يتضرّع إليه ، لأنّ النور الربّ ، والربّ لا يتضرّع إلى نفسه
ولا يستعبد بغيره ، ولا لأحد من أهل هذه المقالة أن يقول : أحسنت يا محسن ،
أو : أسأت ، لأنّ الإساءة من فعل الظلمة وذلك فعلها ، والإحسان من النور ،
ولا يقول النور لنفسه أحسنت يا محسن ، وليس هناك ثالث ، وكانت الظلمة
على قياس قولهم ، أحكم فعلا ، وأتقن تدبيراً ، وأعزّ أركاناً من النور ، لأنّ الأبدان
محكمة ، فمن صور هذا الخلق صورة واحدة على نعوت مختلفة ؟
وكلّ شيء يرى ظاهراً من الزهر والأشجار والثمار والطير والدوابّ يجب
أن يكون إلهاً ، ثمّ حبست النور في حبسها والدولة لها ، وأمّا ما ادّعوا بأنّ العاقبة
سوف تكون للنور ، فدعوى ، وينبغي على قياس قولهم أن لا يكون للنور فعل ،
لأنّه أسير ، وليس له سلطان ، فلا فعل له ولا تدبير ، وإن كان له مع الظلمة تدبير ،
فما هو بأسير بل هو مطلق عزيز ، فإن لم يكن كذلك وكان أسير الظلمة ، فإنّه يظهر
في هذا العالم إحسان وجامع فساد وشرّ ، فهذا يدلّ على أنّ الظلمة تحسن الخير
موسوعة المصطفى والعترة ( ع ) — صفحة 47
مساهمون: حسين الشاكري
ص٤٧