كيف يعبد اللّه الخلق ولم يروه ؟
قال : رأته القلوب بنور الإيمان ، وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان ،
وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب وإحكام التأليف ، ثمّ الرسل وآياتها
والكتب ومحكماتها ، اقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤيته .
قال الزنديق : أليس هو قادر أن يظهر لهم حتّى يروه فيعرفونه فيعبد
على يقين ؟ قال : ليس للمحال جواب .
قال الزنديق : فمن أين أثبت أنبياءً ورسلا ؟
قال ( عليه السلام ) : إنّا لمّا أثبتنا أنّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا وعن جميع ما خلق ،
وكان ذلك الصانع حكيماً ، لم يجز أن يشاهده خلقه ، ولا أن يلامسوه ولا أن
يباشرهم ويباشروه ويحاجّهم ويحاجّوه ، ثبت أنّ له سفراء في خلقه وعباده يدلّونهم
على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم ، فثبت الآمرون والناهون
عن الحكيم العليم في خلقه ، وثبت عند ذلك أنّ له معبّرون هم أنبياء اللّه وصفوته
من خلقه ، حكماء مؤدّبين بالحكمة ، مبعوثين عنه ، مشاركين للناس في أحوالهم
على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب ، مؤيّدين من عند الحكيم العليم بالحكمة
والدلائل والبراهين والشواهد : من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ،
فلا تخلو الأرض من حجّة يكون معه علم يدلّ على صدق مقال الرسول ووجوب
عدالته .
ثمّ قال ( عليه السلام ) بعد ذلك : نحن نزعم أنّ الأرض لا تخلو من حجّة ، ولا تكون
الحجّة إلاّ من عقب الأنبياء ، ما بعث اللّه نبيّاً قط من غير نسل الأنبياء ، وذلك
أنّ اللّه شرع لبني آدم طريقاً منيراً ، وأخرج من آدم نسلا طاهراً طيّباً ، أخرج منه
الأنبياء والرسل ، هم صفوة اللّه وخلّص الجوهر ، طهروا في الأصلاب ، وحفظوا
موسوعة المصطفى والعترة ( ع ) — صفحة 32
مساهمون: حسين الشاكري
ص٣٢