في حاضرة العالم الإسلامي ، سواءً الأحرار منهم أم الموالي : وكثر التزاوج بينهم
وبين العرب ، فتعلّم البعض النبطية من هذا الاختلاط .
وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) يعرف النبطية ويتحدّث بها .
ولا شكّ أنّ أبناءه الكرام الذين تخرّجوا من مدرسته وتخلّقوا بأخلاقه هم حَمَلة
علمه ووارثوا فضله ( 1 ) .
فهذا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حين أتى أهل النهروان ، نزل ( قطفتا ) فاجتمع إليه
أهل ( بادوريا ) ( 2 ) فشكوا إليه ثقل خراجهم ، وكلّموه بالنبطية ، وقالوا : إنّ لهم
جيراناً أوسع أرضاً وأقلّ خراجاً ، فأجابهم بالنبطية : " رعر روظا من عوديا " ،
أي ما معناه : رُبّ رجز صغير خيرٌ من رجز كبير ( 3 ) .
وهذا يونس بن ظبيان النبطي يحدّثه الإمام الصادق ( عليه السلام ) بالنبطية ويخبره
عن أوّل خارجة خرجت على موسى بن عمران ، وعلى المسيح ، ثمّ على أمير
المؤمنين بالنهروان . ثمّ قال لي : كيف " مالح دير بير ماكي مالح " ، يعني : عند قريتك ،
وهو بالنبطية ( 4 ) .
فمن خلال هذا العرض السريع والإشارات الواضحة ، يتبيّن أنّ الصادق ( عليه السلام )
كان على معرفة تامّة بلغات أهل عصره وأبناء مجتمعه مهما بعدت أوطانهم
واختلفت ثقافاتهم .
هامش
( 1 ) وفي عقيدة الشيعة أنّ النبيّ محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والأئمة من بعده ( عليهم السلام ) يعرفون جميع اللغات ،
بالعلم اللدنّي من اللّه سبحانه ، ولهم على ذلك أدّلة ليس هنا مجال لذكرها .
( 2 ) بادوريا : طسوج من كورة الأستان بالجانب الغربي من بغداد ( معجم البلدان ) .
( 3 ) بصائر الدرجات 7 : 96 ، الباب 11 .
( 4 ) نفس المصدر 7 : 97 ، الباب 11 .