وكان مجلس درسه يجمع أحياناً بين العرب والعجم على اختلاف لغاتهم
ولهجاتهم ، فيحدّث كلاّ منهم بلغته ، ويفهمه بلسانه .
وعن أبان بن تغلب ، قال : غدوت من منزلي بالمدينة وأنا أُريد
أبا عبد اللّه ( عليه السلام ) ، فلمّا صرت بالباب ، وجدت قوماً عنده لم أعرفهم ، ولم أرَ قوماً
أحسن زيّاً منهم ، ولا أحسن سيماءً منهم ، كأنّ الطير على رؤوسهم ، فجعل
أبو عبد اللّه ( عليه السلام ) يحدّثنا بحديث ، فخرجنا من عنده ، وقد فهم خمسة عشر نفراً منّا
متفرّقوا الألسن ، منها اللسان العربي والفارسي والنبطي والحبشي والصقلبي ،
فقال البعض : ما هذا الحديث الذي حدّثنا به ؟ قال له آخر لسانه عربي : حدّثني
كذا بالعربية . وقال الفارسي : ما فهمت ، إنّما حدّثني كذا وكذا بالفارسية . وقال
الحبشي : ما حدّثني إلاّ بالحبشية . وقال الصقلبي : ما حدّثني إلاّ بالصقلبية ،
فرجعوا إليه ، فأخبروه ، فقال ( عليه السلام ) : الحديث واحد ، ولكنّه فسّر لكم بألسنتكم ( 1 ) .
ب - العبرية :
وأمّا معرفته بالعبرية وتحدّثه بها فممّا لا شكّ فيه أيضاً . فقد جاء في ثنايا
الأحاديث المروية عنه ما يثبت ذلك ، وسنسوق حديثنا عنه ( عليه السلام ) استشهاداً
لا استقراءً .
في " بصائر الدرجات " : عن عامر بن علي الجامعي ، قال : قلت
هامش
( 1 ) بحار الأنوار 47 : 99 ، قال الجزري في " صفة الصحابة " : كأنّما على رؤوسهم الطير ،
وصفهم بالسكون والوقار وأنّه لم يكن فيهم طيش ولا خفّة ؛ لأنّ الطير لا تكاد تقع إلاّ على
شيء ساكن . ( أُسد الغابة 1 : 36 ) .