إنّ مصر وفارس عرفتا مدارس شهيرة للطبّ ( 1 ) .
هامش
( 1 ) أشهر مدارس الطبّ في مصر مدرسة سائيس . أمّا فارس ، فأشهر مدارسها مدرسة
جنديسابور في القطاع الجنوبي لفارس ، وقد كانت على درجة كبيرة من التقدّم ، واحتضنت
عدداً كبيراً من طلبة الفرس وغيرهم . وكانت الدولة الساسانية معنية بالعلوم والفنون عناية
كبيرة ، ولكنّ العقبة التي اعترضت سبيلها هي وجود نظام طبقي سائد يقصر الدراسة على أبناء
طبقة معيّنة ، ويمنع عنها مَن لا ينتمي إلى هذه الطبقة مهما كان ذكاؤه أو رغبته في العلم .
وكانت هذه التفرقة الطبقية عاملا من العوامل التي أدّت إلى قيام الثورة المانوية في أيام الدولة
الساسانية ، إذ كان ( ماني ) يعارض النظام الطبقي السائد ويقول : إنّ العلم للجميع وإنّ من
الواجب على الدولة أن تهيّئ أسباب العلم لجميع أبناء الوطن . ولكنّ ( ماني ) لم ينجح في نشر
أفكاره الثورية ، فقُبض عليه وقُتل ، وأُغمد السيف في أنصاره وأتباعه وفرّ من نجا منهم إلى
الصين ، وهناك استوطنوا في إقليم طورفان ( تركستان الصينية ) وأبقوا على لغتهم الفارسية ،
ولقّنوها لأبنائهم ، وأسّسوا مدرسة للطبّ ، وكان إقليم طورفان من المراكز الهامّة التي حافظت
على ثقافة فارس وحضارتها وعلى الخطّ البهلوي . وهناك طائفة كبيرة من العلوم والكتب
التي دوّنت بالخطّ الساساني . وتعطينا الآثار الباقية من حضارة طورفان التركية المغولية
صورة جليّة عن مستوى العلم والحضارة الفارسية فيها ، وقد حرص الفرس في هذه المنطقة
على الاحتفاظ عبر القرون باللغة والعادات والتقاليد الفارسية القديمة ، وبقيت اللغة البهلوية
على ما كانت عليه ، ولم تبتلِ بالتغيير ( هزوارش ) الذي أدخله الكتبة الآراميون على الكتابة
البهلوية ، فقد كان من عادة الآراميين أن يكتبوا اللفظة بالآرامية وينطقونها بالبهلوية . فمن ذلك
مثلا أنّ الفرس يقال لهم في الآرامية ( كتل ) ، فكان الآراميون يكتبون لفظة ( كتل ) وينطقونها
( أسب ) ، أي الفرس بالبهلوية . فأصبح نطق الألفاظ يختلف عمّا كان عليه ، وجاء الجيل
الجديد وهو لا يعرف أُصول لغته ، فهجرت البهلوية في عقر دارها ، ولكنّها على قيد الحياة
في مناطق أُخرى منها منطقة طورفان . ( المترجم ) .